سؤال يتكرر دائما على ألسنة الناس مفادهُ، مَنْ يصنع الطغاة؟؟

وما هي أسباب وجود الحكام المستبدين؟، التاريخ يتحدث لنا عن طغاة وعتاة وجبابرة في الأمم كافة، حتى تلك الشعوب والأمم التي تميل إلى الهدوء والتفهّم، لو أننا اطلعنا على تاريخها، سوف نجد تجارب للطغيان عصفت بها، فلماذا يظهر الحاكم الطاغية ومن يصنعه؟؟

السبب الأول لصناعة الطاغية هم الناس أو الشعب أو الأمة، لأنها تُبدي ضعفها أمام تنمّر الحاكم، ويصيبها الخنوع، ولم تُظهر الاستعداد الكافي لمقاومة غرور الحاكم وطيشه وتفرده بامتلاك مصائر الناس دونما وجه حق، لكن الاستبداد يولّد الانحراف وكلاهما مرفوضان، فلا أحد يقول للحاكم له قف عند حدّك، وإذا قالها أحدهم فقد يكون صوته وحيدا وهنا تكمن الطامة الكبرى، حيث يسهل للحاكم أن يفك وثاق كلابه المتوحشة ليطيحوا بمن يقول له كفى.

بمعنى ليست هناك قوة جماعية تواجه الطاغية، وحتى لو تواجدت فإنه يسعى لتفكيكها بالترغيب أو الترهيب أو زرع الفتن والنفاق بين أفرادها، وهكذا يسهل عليه تفكيكها ومن ثم الانفراد بشخوصها واحدا إثْر واحد والتخلّص منهم.

التاريخ يقصّ لنا بطولات كثيرة لأبطال حقيقيين، قاوموا الطغيان ورفضوا الاستبداد، وقدموا أرواحهم قرابين لحرية أممهم وشعوبهم، ولكن هناك من هو نقيض ذلك تماما، فيكون ذيلا متملقا وأداة لقمع شعبه وأمته، ومأمور صغير بيد الطاغية، كل هذا الضعف والتراجع والانكفاء الذليل بسبب مصالح مادية صغيرة، فهناك دائما من يسيل لعابه لعطايا السلطان، حتى لو كان ثمنها كرامته وحريته، وكرامة أهله وناسه وشعبه.

الاستبداد ليس حكرا على الحكام السياسيين، هناك مستبدون في (الدائرة الخدمية الرسمية، في المصنع، في العائلة، في المدرسة، في الجامعة، في المؤسسة)، في كل مكان يحتاج إلى تنظيم وإدارة سوف تكون هناك فرصة لظهور الاستبداد، المسميّات الإدارية التعليمية وسواها، التي ذُكِرت في أعلاه كلها تُقاد من قبل مدير أو رئيس، ومن الممكن جدا أن يصبح هذا الرئيس أو المدير مستبدا متنمرا.

فمن يمنحه هذه الفرصة، نحن بالطبع من نعطيه فرصة كهذه عندما نضعف أمامه، ونصمت، ويتشتت رأينا وتغيب وحدة كلمتنا وموقفنا، فوحدة الكلمة والموقف الجماعي الرافض للاستبداد، سوف يقبره وهو في المهد، لكن عندما يكون الناس مترددين ضعفاء خانعين مشتتين، فهنا تنهض بذرة الاستبداد وتنمو وتكبر لتكتسح الجميع في آخر المطاف.

بالطبع عندما تقوى شوكة الطاغية، فسوف يكون أكثر بطشا بشعبه، وغالبا ما يبرع الطغاة والمستبدون بابتكار أساليب التخويف والترهيب والتعذيب، والتقتيل والتشريد الذي تجري بأوامر الطاغية لتكميم الأفواه وإرعاب الشعب، لكن وكما يقول التاريخ، فإن الصراع بين الطغاة والأمم ظل قائما ولم ينتهِ، وكل الطغاة مصيرهم مزبلة التاريخ....

يُحكى أن هناك ثلاثة حيوانات في غابة جمعتهم الصدفة أو المصلحة أو المكان المناسب لهم، هذه الحيوانات الثلاث هي (الأسد، الذئب، الثعلب)، تعاون هؤلاء الثلاثة فاصطادوا (بقرةً و خروفاً و دجاجة)، وقبل أن يتناول الثلاثة الطعام، سأل الأسد الذئب (كيف يمكننا توزيع الطعام الذي بين أيدنا علينا نحن الثلاثة بقسمة عادلة؟؟)، فأجابه الذئب: الأمر واضح ولا يحتاج إلى تفكير عميق ولا عناء: (البقرة لك، والثعلب تكفيه الدجاجة، أما الخروف فهذا أمر واضح سوف يكون من حصتي، هذه هي العدالة كما أراها)....

وما أن أنهى الذئب كلمتهُ الأخيرة، حتى ضربه الأسد بكفه ضربة قاصمة ففصل رأسه عن جسده وتدحرج الرأس بعيدا، أصيب الثعلب بالرعب الشديد من هول هذا المشهد الذي حدث أمام عينيه قبل قليل، ثم مباشرة وجّه الأسد نفس السؤال إلى الثعلب وقال له: (وأنت أيها الثعلب هل يمكن أن تخبرني بالقسمة العادلة لتوزيع الطعام بيننا؟)...

فأجابه الثعلب بنبرة ماكرة متملقة: (القسمة العادلة واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الخبرة والدهاء، فالدجاجة لك يا سيدي تبدأ بها يومك (وتفتح ريقك بها)، أما الخروف فسوف يكون غداءكَ، وفي الليل لابد أن تسند نفسك بطعام جيد ووفير بسبب عناء النهار فيكون عشاؤك البقرة، هذه هي القسمة العادلة يا سيدي الأسد)، فرح الأسد فرحا شديدا بكلمات الثعلب، وبقسمته (العادلة)، وسأله بصوت واثق:

- أيها الثعلب من علّمك هذه القسمة العادلة؟؟، فأجاب الثعلب متملقا سيده الأسد:

- إنه رأس الذئب الذي قطعتهُ قبل قليل يا سدي، هو الذي علّمني ذلك...

اضف تعليق