كلاهما جلسا إلى جنب بعضهما في مقعد مزدوج مصنوع من الخشب، بدأت رفقتهما من الصف الأول الابتدائي، حين كان عمر كل منهما 6 سنوات، هما ليس من بيت واحد، ولا من زقاق واحد ولا من حيّ سكنيّ واحد، كلٌ منهما يسكن في حيّ مختلف، أحدهما حي شعبي بسيط يغلب الفقر على سكانه، والحي الآخر يُحسَب على الأحياء الغنية.

التقى الطفلان الفقير والغني في الصف الأول الابتدائي، الصدفة وحدها جعلت منهما يلتقيان في هذا المقعد، لتبدأ صداقة جمعتهما في ثلاث مراحل دراسية، هي الابتدائية (ست سنوات) والمتوسطة (ثلاث سنوات) والإعدادية (ثلاث سنوات)، وباعدت بينهما الدراسة الجامعية حيث التحق كل منهما إلى كليّة مختلفة، فلم يعد المقعد الدراسي المزدوج يجمع بينهما.

الفقير كان يتّصف بالفضول، ويرغب بمعرفة الجديد في كل شيء، سواء الأفكار، أو التجارب، أو القصص، أو حتى المهن العملية والنظرية، والصفة الثانية التي يتصف بها الفقير هي سعيه لتطبيق ما يتعلّمه بشكل عملي بقدر ما يستطيع.

الغني كان يتَّصف بالفضول أيضا، وهذه صفة تجمع بين الصديقين، فكلاهما يبحث بالأعماق ولا يكتفي بالسطحية، وكلاهما يمتلك من الذكاء ما يكفي كي يغور في أعماق المعارف المتعددة، لكن المختلف بينهما، أن الفقير مغرم وجاد بتطبيق ما يتعلمهُ نظريا على الواقع ما أمكنه ذلك، ولن يتوقف عند المعرفة وحدها، ولا يكتفي بمعرفة الأفكار وينتهي عند هذا الحد، بل يسعى جادا إلى تحويل الأفكار إلى عمل يمكن رؤيته بالعين ولمسه باليد.

هذا بالضبط ما يفتقر له صديقه الغني، فهو غير معني بتحويل الأفكار والنظريات والمعلومات إلى مشاريع أو أعمال، وكان صديقه الفقير ينبههُ على ذلك، بل ينتقده بصراحة، ويقول له إن المعارف المجرّدة مهما كانت كبيرة وعميقة ومتفردة، فإنها لا تمنح الإنسان قيمة عملية إلا بعد تطبيقها على تفاصيل حياتنا.

لم يكن الطفل الغني الذي صار شابا، يعتني بما يقوله له صديقه الفقير، وبعد أن أنهيا الدراسة الجامعية، كان الفقير يمتلك مشروعا صغيرا (محل بيع ملابس)، وكان يسعى لتطبيق ما تعلّمه علميا على تطوير مشروعه، وقد درس (إدارة الأعمال) في كلية الإدارة والاقتصاد، وتفنّن في أساليب عرض السلع، وخبر كل ما يتعلق بقانون العرض والطلب، وطبّق فنون الإدارة التي تعلّمها وهضمها بذكاء ودقة.

واصل الفقير دراسته وعمله في مشروعه، قفز إلى الدراسات العليا في تخصصه (الاقتصاد)، فيما كان صديقه الغني الذي درس الهندسة، فرع (الميكانيك)، غير معني بالجانب العملي، ولا يعنيه تطبيق ما يحصل عليه من معلومات هندسية على واقعه وحياته، بقي حبيس الأفكار والمعلومات والكلمات المجردة، لم يفكر بإنشاء مشروع هندسي ضمن تخصصه، وظلّ مغرما بالنظريات الهندسية مكتفيا بما تقدمه له من معلومات حديثة ومبتكَرة.

هذه المعلومات النظرية الهندسية كانت تُبهر الطالب الغني، بل تأخذه في عالمها عميقا، فيذهب إلى المكتبات ويقتني أحدث الكتب الهندسية الصادرة حديثا، ويدخل في شبكة الانترنيت ويحمّل أهم الكتب والنظريات والمعلومات الحديثة، حتى تحوّل رأسه إلى مخزن كبير يضم معلومات هندسية هائلة، غالبا ما كان يتباهى بها أما أهله وأقاربه وأصدقائه.

وحين سأله أحدهم ما فائدة هذه المعلومات لك، وهل غيرت حياتك ونظَّمتْها، يشعر بالتوتر ويُصاب بالعناد، ويهرب من النقاش بعيدا، لأنه شبَّ على الاهتمام بالجانب النظري فقط، ولم يفكّر بتطبيق ذلك بشكل عملي في حياته، والسبب أنه غير ميّال للعمل، ولا يريد أن يبذل أية طاقة جسدية (عضلية) في أي عمل أو مشروع كان.

على عكس صديقه الفقير الذي يبحث عن المعلومة الاقتصادية ليل نهار، وفي جميع المصادر الورقية أو الإلكترونية، وما أن يكتشفها ويقرأها ويتعلمها، حتى يبادر على الفور بمحاولات حثيثة لتطبيقها على حياته وتنظيمها وتطوير عمله ومشروعه التجاري الصغير، طبقا لما تعلّمه ويتعلمهُ من جديد في تخصصه.

تطور مشروع الصديق الفقير، وتفرّع منه مشاريع أخرى في مدينته، وانتقل إلى مدن أخرى، وبقي الفقير حريصا كل الحرص على تطوير الجانب العملي، وتطبيق معلوماته العلمية على مشاريعه، وكانت الراحة أو النوم الكثير لا يعنيه بقدر ما تعنيه حياته العملية المنظَّمة، وشيئا فشيئا أخذت ثروته بالتكاثر، فانتقل بجهوده وذكائه ونزعته العملية، من خانة الفقر إلى الثراء والرفاهية والحياة المنظَّمة بكل تفاصيلها.

الصديق الغني، ظلَّ حبيس النظريات، ومغرم بالراحة والنوم، ولم يأبه لنصائح صديقه (الذي غادر الفقر إلى الغنى)، بسبب سعيه الجاد لتحويل كل معارفه، إلى وسائل وأدوات تساعده على تنظيم وتطوير حياته ومشاريعه.

الطالبان اللذان جلسا معا في الصف الأول الابتدائي، تبادلا الصفات والأدوار في آخر المشوار، فالغني صار فقيرا لأنه أصرَّ على حبس أفكاره وعلميتهِ في دائرة مخّه فقط، ولم يجرؤ على تحويلها إلى مشاريع بسبب خوفه من الجهود العملية المطلوبة وافتقاره إلى الحيوية والمغامرة وحب الغوص في العمل,

أما الطالب الفقير فقد أصبح رجلا غنيا، لأنه مزج بين العلم والعمل، وجازف براحته، وشبّ منذ نعومة أظفاره على توظيف العلوم لتطوير مشاريعه العملية، وإدارة حياته بطريقة منتظمة وناجحة.

اضف تعليق