هناك مواقف ترسخ في الذاكرة، وتشكّل لنا دروساً لا ننساها، فحين كنتُ في الصف الخامس الابتدائي، كان مقعدي الخشب في منتصف الصف، أجلسُ بين التلاميذ، وإلى جانبي يجلس صديقي (كريم) الذي يقاربني بالسن، دخل معلّم العلوم فنهضنا احتراما للمعلم، إلّا صديقي (كريم) لم ينهض كما فعل التلاميذ، لمحهُ معلم العلوم جالسا باستقرار في مكانهِ إلى جانبي، لم يقلْ للطلاب (جلوس) كما جرتْ العادة، تركَ التلاميذ واقفين، وتشاغل بمحفظة سوداء صغيرة كان يحملها معه، يبدو أنَّ المعلّم منح (كريم) بعض الوقت كي ينتبهَ وينهضَ واقفاً كما فعل التلاميذ الآخرون، لكنَّ (كريم) لم يغيّر موقفهُ ولم ينهض واقفاً.

عندما عرف المعلّم أنّ (كريم) لن يستغل فرصة تشاغلهِ بمحفظته السوداء، ولن ينهض واقفا له، أعطى أمرَ الجلوس للآخرين، واصطحبَ (كريم) بلا ضجيج إلى غرفة الإدارة وشرح للمدير ما حدث في الصف، فسألَ المدير (كريم) عن سبب بقائهِ جالسا مخالفا قواعد احترام المعلمين، أجابه (كريم):

- المعلم نفسهُ يستطيع أن يخبركَ بالسبب، وكذلك طلاب الصف يعرفون السبب، أما أنا فلا أريد أن أنكأ الجرح النفسي العميق الذي ألحقهُ بي المعلم.

طلب المدير من كريم العودة إلى الصف، لكنّ (كريم) قال للمدير:

- أستاذ أنا سأغادر المدرسة إلى البيت، وسأطلبُ نقلاً منها، طالما معلّم العلوم يبقى موجودا فيها.

من المواقف المشرّفة التي لن أنساها ولا (كريم) ولا التلاميذ، هي عدم مناصرة المدير لمعلم العلوم، وبقاء جميع (المعلمين) في حالة حياد بانتظار النتائج وما ستؤول إليه الأمور، طلب المدير من (كريم) البقاء في المدرسة ووعد بحلٍّ يُرضي الجميع، قبل نهاية الدوام بدقائق جاء (فرّاش) المدرسة إلى صفّنا، واصطحب (كريم) إلى غرفة المدير التي لم يكن فيها أحد سوى المدير، طلب من كريم الجلوس قبالتهُ، وأمر الفراش بعدم السماح لأي شخص بدخول الغرفة، ثم قال لكريم:

- الآن أنت حر، اخبرني لماذا لم تقمْ احتراما لمعلم العلوم؟

تدفَّقت دموع ساخنة من عينيّ كريم وهو يعاني من ضغط الإهانة النفسية الثقيلة، مسحَ دمعتهُ وبدأ بالكلام على مضض، كانت العبرة تخنقنهُ بين لحظة وأخرى، طلب المدير من (كريم) التوقف عن الكلام، ثم نصحهُ بغسل وجهه بماء بارد، بعد دقائق هدأ (كريم) وبدأَ بالكلام من جديد، قال للمدير:

- في درس مادة العلوم ليوم أمس، دخل علينا هذا المعلم نفسه، فوقفنا جميعا كالمعتاد وأنشدنا كلمات الترحيب، فأجابنا المعلم بالجلوس، ثم بدأ بشرح الدرس المخصص، واستهلَّ ذلك بكلام لطيف عن النظافة وأهميتها في مكافحة الأمراض أو الحد منها، وأن النظافة من الإيمان، ثم قال المعلم: هناك من يحب النظافة ويحترمها وهي بالمقابل تحترمه فتساعده في كفّ الأمراض عنه وتقرّب الناس منه وإعجابها بشخصيته، وأشار إلى طالب من طلاب الصف أبيض اللون، تبدو علامات العافية ظاهرة عليه، وأتخذّ المعلّم منه نموذجا لمحبّي النظافة، ثم بحث عن نموذج آخر لطالب لا يحترم النظافة، فوقعَ اختياره عليَّ أنا، وقال لجميع الطلاب، هذا هو الإنسان الذي لا يحترم النظافة (مشيرا بإصبعه إليّ)، وأضاف المعلم: انظروا إلى جسده الأعجف ووجنتيه الناتئتين وعينيهِ الصفراويْن وشَعرهِ المجعّد، هذا هو النموذج لمن لا يحترم النظافة. مرّ كلام المعلّم سهلاً عاديّا على الجميع، حتى هو (المعلم) لم يرَ خطأً في كلامه، الصاعقة وقعت على رأسي وحدي أنا، ومن لحظتها قررتُ ترك المدرسة؟؟

وأضاف كريم قائلا للمدير: هل عرفت الآن يا أستاذي لماذا لم أقف احتراما لمعلم العلوم؟

أجاب المدير لكريم: نعم والحق يقفُ إلى جانبك، استمرْ في الدراسة بصفكَ نفسه، ولا تطلب نقلا إلى مدرسة أخرى، ومنذ ذلك اليوم لم يدخل معلِّم العلوم إلى صفنا قطّ.

في أسابيع قليلة، حصل (كريم) على لقب (فارس الصف) وهو عبارة عن شريط أبيض شفاف، يعلَّق في مقدمة جسد الطالب بشكل طولي، من أعلى الكتف الأيمن الى الركن الأيسر للبطن، ويُكتَب على هذا الشريط جملة (هذا فارس الصف)، ويبقى محتفظاً بهذه الميزة حتى نهاية السنة، قبل هذه الحادثة كانت درجات (كريم) جيدة، ومحاولات التميّز موجودة لديه، لكنها ليست كما هي بعد حادثة معلم العلوم، فقد نشأت في أعماقهِ قوة نفسية هائلة، لا يعرف من أين أتتْ ولا كيف حصلَ عليها؟ رفعتْ علاماتهُ وثقته بنفسه إلى أعلى الدرجات.

بعد هذه الواقعة تغيّر أسلوب المعلمين مع جميع الطلاب، فسادت الصف كلمات المعلمين اللطيفة، وأسلوبهم الهادئ، وشعرنا جميعا نحن الطلاب الصغار بمحبة المعلمين وتشجيعهم لنا وعدم تفريقهم بين جميع الطلاب لأي سبب كان، حتى الكسالى بدأ فهمهم يتطور، وعلاماتهم في الامتحانات تتصاعد، وبزغت مواهب واعدة عديدة بين أفراد الصف، فمنهم من برز في الحساب، وآخر في القراءة، وثالث في النشيد ورابع في الرسم وخامس تميّز في الخطابة وسادس برع في تلاوة القرآن، واشتهر صفنا بين الصفوف الأخرى، واشتعلت مواهبنا أيَّما اشتعال.

انقر لاضافة تعليق