ما المقصود بالمجتمع الديمقراطي، وهل الديمقراطية صفة يتجمّل بها الناس، ويتباهون من خلالها بوعيهم ومكانتهم، أم هي منهج وثقافة تبدأ بالفرد لتشمل الوسط الاجتماعي كله؟؟

الديمقراطية ليست مفردة مجردة، يتشبث بها بعض السياسيين، لاسيما أولئك (النواب) الذين يتربعون على منصات القنوات الفضائية، فيظهرون هنا وهناك، يلوكون مفردة الديمقراطية عشرات المرات، دون أن يخطر في بالهم المعنى الحقيقي لها، ودون أن يحصل هذا المصطلح (الديمقراطية) على حصّته من التطبيق.

الكلمات مهمة في مجال نقل الخبرات والتجارب من شخص إلى آخر، أو من جماعة إلى أخرى، فهي الوسيط الفاعل في نقل الأفكار المتبادَلة، ولكن هل هذا وحده يكفي ويحقق ما تصبو له الدول والمجتمعات؟، كلا، فهناك عامل مهم أيضا، إن لم يكن أكثر أهمية من الكلمات المجرّدة، ونعني به الجانب العملي التطبيقي لمعاني الكلمات.

هذا يؤكّد أن كلمة الديمقراطية كـ (فكرة)، يجب نقلها إلى الحيّز الفعلي العملي، لاسيما أن علماء الاجتماع يؤكدون على أن الإنسان أسرع استجابة للعمل منه للقول، فيما يخص نقل التجارب وتطوير المهارات، بمعنى أنه يستجيب للوسائل العملية أسرع من اللفظ أو الكلام المسموع الذي ينقل له التجربة نفسها في المجال الديمقراطي أو سواه.

تبدأ علاقة الإنسان باكتساب الخبرات والمهارات منذ نعومة أظفاره، فلوحظ أنه يستوعبها بصورة أسرع وأدق فيما لو تعلّمها بصورة عملية، أما التنظير عن هذه التجربة أو تلك، فسوف يبقيه في حيّز القول أو اللفظ المجرد، أي تنحصر الفائدة في الجانب اللفظي، لذا ينصح المعنيون بأهمية الإسراع في نقل التجربة من القول إلى العمل، حتى لا يبقى العقل المستقبِل مرهوناً بالجانب اللفظي فقط للمفردات، وهذا يجعلهُ أكثر بطأً في اكتساب الخبرة والمهارة.

تفضيل الحكم الديمقراطي على سواه

نعود إلى الديمقراطية كمفردة ذات معنى معروف، وكمصطلح تم تداوله على نحو واسع في مراحل وأحقاب متتالية، هناك مجلدات كبيرة وكثيرة كُتِبتْ عن هذا المصطلح، فقد كتب أرسطو عن الديمقراطية، كما ورد في كتابه الموسوم بـ (السياسة) حيث فضل الحكم الديمقراطي على سواه قبل ما يقرب من 2500 سنة، قائلا لجمهور القراء، في الوسطين السياسي والعام أن الحرية هي القاعدة الأساسية للدستور الديمقراطي.

ولكن هناك حاجة ماسة للانتقال إلى تحويل الديمقراطية من معناها الفكري إلى فعلها التطبيقي، فيوجد الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمعنيين بعلم السياسة، دوّنوا مئات الكتب والمجلدات عن الديمقراطية وأهميتها وخصائصها وسماتها، وما يتمخض عنها فيما لو كانت هي الطريق إلى إدارة شؤون الدولة والمجتمع سياسيا، ولكن يبقى الفعل الديمقراطي المرئي والملموس هو الأهم، لكي تقطف الشعوب ثمار الحكم السياسي الجيد.

في العراق مضت سنوات طويلة ونحن نتحدث عن الديمقراطية ونكتب عنها، وأعني بـ نحن، السياسيين، والكتاب، والمفكرين، وعموم طبقات المجتمع العراقي، حتى البسطاء منهم، حيث يلهج الجميع بهذا المصطلح، ويبدو ذلك واضحا في لغة الشارع، ولغة النخبة على حد سواء، ولكن من الملاحظ أننا كشعب لم ننتقل حتى الآن بصورة حقيقية من الديمقراطية اللفظية إلى الديمقراطية العملية!، وهو أمر يستدعي مخاطر جدية علينا تلافيها، حتى لا نهدر فرصة الانتقال من نظام الاستبداد إلى نظام المشاركة والتعددية.

حالة الانتقال أعلاه مهمة الجميع، لكن المسؤولية والمهام تختلف بحسب، المركز الوظيفي والاجتماعي، بالإضافة إلى مستوى الوعي، فلا يصح المساواة هنا بين سياسي متنور يحتل مركزا قياديا في الدولة، وبين مواطن لم يحصل على فرصة التعليم بصورة متكافئة، إذن هناك مسؤولية أكبر تقع على الطبقة السياسية الحاكمة أو الفاعلة في المجال السياسي.

على من تقع مسؤولية الانتقال الديمقراطي؟

وعليها أن تعي جيدا حساسية مهمتها ودورها في تجربة الانتقال الديمقراطي، مع أننا نقر بوجود الأسباب التي تجعل من اللفظ الديمقراطي يتفوق على العملي أو الفعلي، لكن ينبغي أن لا يتوقف الأمر عند حدود هذه المعرفة، بمعنى يجب أن تكون هناك مبادرات عملية مهمة وصحيحة، تنهض بها الجهات المعنية ومنها بل في مقدمتها طبقة السياسيين، ثم الجهات الداعمة كأساتذة وأكاديميّي العلوم السياسية والإعلام والكتاب والمصلحين والمثقفين.

هؤلاء في مقدمة تحمّل مسؤولية الانتقال من ظاهرة (التصريح بالديمقراطية) والتعلّق بأذيالها، إلى تطبيقها، وتحويلها إلى ثقافة اجتماعية، تشبه كل الحالات التي يقوم بها أفراد المجتمع يوميا، ويعيشونها لحظة بلحظة، كي تنتظم حياتهم بها، وطبقا لها، لتمتد إلى المفاصل الصغيرة للمجتمع، كالجامعة والمدرسة والمنظمات والنقابات والاتحادات، التي يجب أن تكون إدارتها ديمقراطية، فيصبح الأفراد جميعا ديمقراطيين.

وحين يتحول الفرد من عقل متفتح، متفاعل، فاهم، وواعٍ لما يعنيه الفعل الديمقراطي، ويطبق ذلك في تفاصيل حياته اليومية، في بيته مع عائلته، وفي التجمعات الأكبر كالجامعة ومحيط العمل وسواه، فإننا سوف نتحول من مجتمع منبهر (بلفظة) الديمقراطية وشغوف بترديدها، إلى مجتمع يفهما ويستند إليها في تنظيم حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكل مفاصل الحياة المكمِّلة.

لهذا السبب ليست هناك فائدة جذرية في اهتمام الساسة العراقيين بلفظة (الديمقراطية)، وإهمال ما تعنيه عمليا في حياة العراقيين، وهذا ما نودّ الإشارة إليه والتركيز عليه، لاسيما بالنسبة للعاملين في الميدان السياسي، ومؤسسات الدولة المستقلة، فهذه المؤسسات يجب أن تدار وفق ثقافة ديمقراطية تتأصّل في قولا وفعلا لدى كل من يعمل في هذه المؤسسات.

لننتقل بعد ذلك إلى الحيّز الأوسع، ونعني بها ساحة المجتمع كلّها، وعلاقاته ونشاطاته المختلفة، وطريقة إدارة هذه العلاقات وفق الثقافة والمنهج الديمقراطي، الذي يسمح للجميع بالمشاركة والتفاعل وإبداء الرأي دون خوف أو تردد، وإذا توصّلنا كعراقيين إلى جعل الديمقراطية ثقافة منهجية تنظّم حياتنا بمختلف مجالاتها، فإننا نكون قد قفزنا من دائرة المعنى اللفظي للديمقراطية إلى فضائها التطبيقي الذي لا تحدّه حدود.

انقر لاضافة تعليق