مدن وبلاد في العالم تألقت في القرن الماضي بمنشآتها الاقتصادية، ومؤسساتها التعليمية، والصحية، وأبراجها الشاهقة، وبشبكات الطرق الأقحوانية، من خلال مشاريع تنموية طويلة الأجل تنفذها شركات استثمار متحالفة حول العالم، وبخبرات وتجارب، وأينما يممّت شطرك شرقاً من هونغ كونغ، وسنغافورة، وشانغهاي، ثم كراتشي، و بومباي، واسطنبول، ومدن في اوروبا واميركا الشمالية، تجد بصمات أهل هذه المدن في مشاريع التنمية والبناء، فسكان هونغ كونغ، او سنغافورة، او مونتريال وأشباهها، لم يجلسوا في بيوتهم يحتسون القهوة، أو يلعبون الشطرنج، او يلهون في الحدائق والحانات والمقاهي ليعمل الآخرون على خدمتهم، ويقدمون لهم الرفاهية على طبق من ذهب، إنما كانوا ينكبون على طلب العلم وكسب التجارب، والمال ايضاً (الاستثمارات) للإسهام في هذه المسيرة.

الى جانب اليد العاملة المساهمة في أعمال البناء والعمران، فان التراث والثقافة أسهمت هي الاخرى في مشاريع التنمية بما يتعلق الأمر بالسياحة التي تشكل أحد أبرز الموارد المالية في اقتصاديات العالم، أقرب مثال لنا من لبنان حيث يتثقف التلميذ الصغير في المدرسة على أن رميه غلاف الشوكولاته الصغير على الارض يعني أنه يهدر دولاراً واحداً من واردات بلده من السياحة بسبب تضرر الواجهة السياحية لبلاده أمام الوافدين من مختلف بقاع العالم، ففي الدول المعتمدة على السياحة تمثل المعالم الأثرية والتاريخية أماكن مقدسة لا يسمحون لأحد بالإساءة اليها بأي شكل من الاشكال.

وعندما يجري الحديث عن مشاريع الإعمار والبناء في بلادنا، وتحديداً في العراق ذو الحاجة القصوى لهذه المشاريع في الوقت الحاضر، فان الاستحقاق الاكبر في البنية الثقافية التحتية يكون مقدماً على كل شيء لضمان النجاح في عملية التحول والتطور، "فأهل العراق هو صانعوا عراق الغد"، يقول المرجع الديني السيد صادق الشيرازي –حفظه الله- في إحدى بياناته بخصوص الاحداث في العراق، وحثّ على إسهام العراقيين على نهضة شاملة للتعويض عن سنوات الحرمان والتخلف، مستفيدين من "نعمة الحرية العظمى التي ينبغي اغتنامها على أحسن وجه"، فالعراق قياساً بكثير من الدول المحيطة به والدول النامية يحظى بقدر لا بأس به من الحريات في الميدان الاقتصادي، فبإمكان الانسان العراقي المبادرة لإنعاش اراضي زراعية، ومشاريع تربية حيوانية، ومشاريع تجارية وعمرانية دون مزاحمة من عمالة اجنبية، او سياسات قمعية، مع وفرة الموارد المالية في بلد مثل العراق يغبطه عليه دول العالم، تبقى المعوقات الادارية والاجراءات الحكومية المعرقلة كما هو في جميع بلدان "العالم الثالث" الحريص على الحياة السياسية اكثر من الحياة الاقتصادية.

ولا أكثر مصداقية لهذا الكلام مما نجده اليوم في كثرة مشاريع تربية الاسماك، وتعدد حقول الدواجن، واتساع مساحات زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز والشعير، الى جانب الخضار والفاكهة بما تسد حاجة الاسواق، وايضاً تسد الابواب على تسرّب العملة الصعبة الى الخارج، وتوفيرها لما هو أهم، حصل كل هذا بفضل المبادرات العراقية لتوفير فرص عمل، واستثمار قدرات وثروات البلد بيد أبنائه، وهو ما أثمر عن اكتفاء ذاتي توصلنا اليه في الآونة الاخيرة، ولو بعد طول انتظار.

وبما أن مشاريع التنمية تشمل مختلف جوانب الحياة، فان المشاركة الانسانية يجب ان تتطابق مع هذه الشمولية لتحقيق النجاح، فالجميع مدعوٌ "للتصدّي لبناء الغد، من عالم، ومثقف، ومدرس، وشيخ، وشاب، وطالب، وكاسب، وموظف، ورجل، وامرأة، لملمة الامور وسدّ الثغرات وتفعيل وتعبئة الكفاءات والنهوض بكافة شرائح المجتمع وذلك عبر تشكيل اللجان والهيئات والمؤسسات العامة والاهلية، الصغيرة والكبيرة، في كل مدينة وقرية، وعشيرة، وعائلة".

كربلاء المقدسة نموذج لبُناة المدينة

عرف القاصي والداني ما لمدينة كربلاء المقدسة من فرص نمو وتطور في مجالات استراتيجية مثل السياحة والزراعة والتجارة، يسندها في ذلك عمقها الحضاري والثقافي ورصيدها الفكري العظيم المتجه نحو الإصلاح، وقبلها الثورة على الانحراف والفساد والطغيان، وهي عقبات كأداء في طريق نجاح تجارب التنمية بالعالم، وهذا ما يدفع سماحة المرجع الشيرازي لأن يذكر، ليس فقط بالجانب المأساوي لقضية الامام الحسين، عليه السلام، بل وبالجانب الحضاري حيث "الأخلاق والسيرة الوضاءة والمنهج العظيم" وأن يكون هذا الرصيد الثقافي مصدر قوة لبناء هيكلية اقتصادية واجتماعية متماسكة قادرة على النهوض بمشاريع التنمية.

ولعل أبرز دليل ملموس على وجود الثقافة الحسينية في كربلاء المقدسة، تميّزها بالانفتاح والتنوع والتسامح بين مختلف الطبقات الاجتماعية والتوجهات الثقافية والفكرية، وحتى التنوع العرقي والقومي، فقد كانت وما تزال المدينة التي تضم بين جنباتها أناس من مختلف البلاد، ومن مختلف الثقافات، كلهم جاؤوا الى هذه المدينة منذ زمن بعيد يحملون الحب والإيمان بقضية الامام الحسين، فراحوا يبنون، ويشيدون، وينتجون، فظهرت المدارس والحوزات العلمية، والمستوصفات، والمكتبات، والاسواق، فكان العراقي الى جانب الايراني، والى جانبه التركي، ثم من هو أصله من الهند او باكستان.

وما دام الرصيد الثقافي لكربلاء المقدسة مطبوع بالهوية الحسينية، فمن الطبيعي ان تكون خطوات التنمية والتطوير من خلال هذه الهوية، وهذه مسؤولية أبناء المدينة قبل غيرهم، فهم من يعيشون ثقافة الرفض، والإصلاح، والتضحية، والعطاء، عندما يعكسون منهج الامام الحسين الى الزائرين من مختلف بقاع العالم، ولدى عودتهم الى ديارهم سيحملون المواقف الحسنة والخلق الرفيع عن ابناء الامام الحسين". فالقضية لا ترتبط بالمال وحسب، إنما هي خصال وطباع الشعب الطامح لكسب ودّ الشعوب الاخرى، فالشعب المعروف في العالم –مثلاً- بالغش والخيانة والكذب والسرقة والتدليس، كيف تطئمن اليه شعوب العالم اذا ما ارادوا تجربة السياحة في مناطقه الاثرية، أو التعامل مع منتجاته؟

وكما لكربلاء المقدسة، فان لسائر المدن في العراق فرصها الخاصة بها للنمو والتطور ايضاً اذا ما توفرت فيها شروط النجاح من داخل وصميم مجتمعها، فبالقدر الذي يكون ابناء المجتمع أوفياء لتاريخهم وهويتهم، ويحترمون ذواتهم، ويثقون بقدراتهم وما لديهم من امكانات، اكثر من ثقتهم بما لدى الآخرون، تكون فرص النمو أقرب الى التطبيق على صعيد الواقع.

اضف تعليق