تعدد الثقافات قد يكون سببا في اختلاف الرؤية، أو الآراء انطلاقا مما يؤمن به الإنسان، وفقا لثقافته والأسس الفكرية التي نشأ في ظلها، لذلك يجب حماية الرأي في إطار الحق تنويع الثقافات. التنوع الثقافي بحسب المعنيين، عبارة عن وجود ثقافات مختلفة في العالم، أو في مجتمع واحد أو مؤسسة معينة.

ويُنظَر إلى التنوع الثقافي على أنه مجموعة من الثقافات المتنوعة أو المختلفة، بدلاً من الثقافات الأحادية. مثال الثقافة العالمية، أو الثقافات المتجانسة. كما أن عبارة التنوع الثقافي يمكن أن تشير أيضا إلى وجود ثقافات مختلفة و كلاَ منها يتبادل الاحترام لهذه الاختلافات.

أحيانا يتم استخدام عبارة "التنوع الثقافي" بمعنى تنوع المجتمعات البشرية، أو الثقافات في منطقة معينة أو في العالم ككل، وينشأ تعدد الثقافات في ظل الوجود أو القبول، أو التعزيز للتقاليد الثقافية المتعددة ضمن مكان أو تخصص واحد، ويمكن أن يحدث هذا النوع من التعدد الثقافي، عن طريق المناطق المدمجه بثقافتين أو أكثر مثلما موجود في كندا (كندا الفرنسية، وكندا الإنجليزية).

ويعد العراق من البلدان الزاخرة بالتنوع الثقافي، نظرا لاندماج ووجود أعراق وأديان مختلفة في أراضيه، تعيش معا منذ آلاف السنين، مما أعطى جمالا لهذه الفسيفساء الثقافية، ومنحت الشعب العراقي ميزة استثمار التنوع الثقافي في صالح تقوية أواصر العلاقات الاجتماعية، بالإضافة إلى تنوع الطاقات والمهارات والنشاطات التي تعزز السلم الأهلي.

مما هو معروف في إطار الثقافات المتعايشة، أن حقوق الإنسان لا تنحصر في مجال الرأي والفكر فحسب، بل هناك حق التنوع الثقافي ينبغي أن ترعاه الدولة، والسلطة التنفيذية على وجه الخصوص، فمن حق الإنسان أن يؤمن بالثقافة التي ولد وترعرع في أحضانها، ولا يجوز استعمال الإكراه معه كي يتخلى عن ثقافته، أو يتم دمجه قسرا من خلال زجه بثقافة أخرى.

حق الثقافة المختلفة يجب أن يكون مكفولا، وبالتوازي مع ذلك لابد من ضمان حماية التصريح بالرأي دون خوف من العواقب، لأن حقوق الإنسان تتوزع على ميادين متعددة، سياسية اجتماعية وفكرية وغيرها، كلها كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعد الحقوق الثقافية من الأمور الأساسية في حياة الناس، كي تتعزز أواصر الثقة والانسجام الاجتماعي.

لذا فإن ضمان حق (التنوع الثقافي) والتشجيع على نشر الانسجام بين الثقافات المتعددة، هدف هام لا يجوز إهماله، أو معاداته، حتى لو تعددت الثقافات في نسيج اجتماعي واحد، وهي حالة شائعة يمكن ملاحظتها في معظم المجتمعات والدول التي تتميز بتداخل الثقافات وتنوعها، حيث منحها هذا التنوع قوة وتقدما مشهودا.

ونتيجة لذلك سعت الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة اليونسكو، إلى تحديد يوم سنوي يحتفل فيه العالم أجمع بـ (التنوع الثقافي)، لأهميته في تطوير العلاقات الإنسانية، وتعميق وترسيخ الاحترام المتبادل بين الثقــافات، مما أتاح للإنسان أن يطرح أفكاره بغض النظر عن الثقافة التي يؤمن بها أو ينتمي إليها، على أن تُحمى الآراء في إطار الحريات المدنية المكفولة.

هناك اشتراطات ملزمة للجميع، فلا يعني حق التنوع انتهاك حقوق الآخر، فحرية الرأي وحق التنوع يجب لا يقود إلى المساس بحريات الآخرين وخياراتهم الثقافية، وللفرد أن ينشر ما يؤمن به بأية لغة يختارها، ولاسيما اللغة الأم، التي غالبا ما يتم منعها من قبل الأنظمة السياسية المستبدة أو الفاسدة للتغطية على فشلها.

لذا نصّت المادة خامسا من إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي على أن: (الحقوق الثقافية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان التي هي حقوق عالمية ومتلازمة ومتكافلة. ويقتضي ازدهار التنوع المبدع الإعمال الكامل للحقوق الثقافية، كما حُددت في المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المادتين 13 و 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبناء على ذلك ينبغي أن يتمتع كل شخص بالقدرة على التعبير عن نفسه، وإبداع أعماله ونشرها باللغة التي يختارها، وخاصة بلغته الأصلية).

في الدول التي ضمنت هذا الحق وأمّنت حرية الرأي حققت قفزات كبيرة في المسار الديمقراطي، فكل الدلائل تؤكد على أن التجمعات المتنوعة في ثقافاتها، تتسم برؤى سليمة ومختلفة من حيث أساليب التفكير وأنماط الحياة، فكلما تنوعت الثقافات في المجتمع الواحد، كلما أصبح أكثر قدرة على الإبداع والتطور، وهذا ما يحتّم على المعنيين في العراق الاستفادة من زخم التنوع الثقافي في الشعب العراقي.

هنا يظهر دور الدولة ونظامها السياسي بجلاء، حيث الإسهام الفاعل في تعميق النهج الفكري الثقافي المتحرر بين الجميع، وفق ضوابط تأخذ مضامينها وتحديداتها من أصول الثقافات ومشتركاتها الكثيرة، بما يحقق سقفا من الاحترام المتبادل لتعزيز أواصر العلاقات والأنشطة المتبادَلة.

بالنتيجة لابد للحكومات الديمقراطية (عنوانا وتطبيقا) أن تحرص على حماية الحقوق الثقافية للفرد وللأقليات، وتدعمها على نحو متواصل، وتؤصّل التشجيع على تقارب الثقافات، مع توفير الحماية القانونية لحرية الرأي، وليس العكس كما يسعى بعض الساسة العراقيين اليوم، لتمرير قانون الجرائم المعلوماتية المثير للالتباس والمخاوف.

اضف تعليق