(لقد تمَّتْ السرقة بنجاح)، قال السارق هذه الجملة لنفسهِ، بعد أن يئس من الحصول على فرصة عمل، طرق الأبواب الحكومية كلّها، لكنها بقِيَتْ مغلقة بوجههِ، حتى أبواب العمل في القطاع الخاص خذلتهُ، وصل إلى مخبئه دون أن يلمحه أحد متلبّسا بالسرقة.

وضعَ المال المسروق وقيمته (عشرة ملايين دينار)، في حقيبة أحكم إغلاقها، وأخفاها في دولابه الخاص، حدثت السرقة في وضح النهار، حين خلا البيت المسروق من أهله، ولم يواجه السارق أية مشكلة.

لكنه في الليل حين وضع رأسه على الوسادة، أخذ يستعيد جذوره التربوية، حيث نشأ في عائلة عانت من الفقر، لكنها ظلت شريفة طيلة حياة أبيهِ الذي كان فلاحا مكافحا، يكدّ ساعات النهار ويوصلها أحيانا في الليل، يكدح في أرضه، يزرع ويحصد ويطعم عائلته محصولاً حلالاً.

قبل أن يغفو سأل السارق نفسه، هل كان أبي سارقاً؟، كيف تجرَّأتُ اليوم وسرقت هذا المبلغ الكبير، ثم ما أدراني لمن يعود هذا المبلغ لاسيما أن هناك أطفالا قاصرين يعيشون في البيت المسروق، قد يكون المبلغ الذي سرقته هو ميراث القاصرين حيث توفّي أبوهم قبل أسابيع.

أخذ السارق يقرِّع نفسه ويوبّخها، ويطلق عليها الأسئلة تلو الأخرى، هل كان أبي سارقا، هل هذه جذوري التربوية، هل نسيت كفاح أبي، ذلك الفلاح الذي أفنى عمره كي يبقى شريفاً ويبعد عنّا وعن نفسه الحرام؟؟

في الصباح نهض من فراشه متوترا، قلقاً، لم يأخذ قسطا جيدا من النوم، وحين طالبتهُ زوجته بالخبز والبيض فطوراً لأطفاله، لم يجرؤ على الأخذ من المبلغ المسروق رغم أنه لا يمتلك دينارا واحدا، طلب منها الصبر ريثما يتصرَّف، فربما يُفتح له باب حكومي أو أهلي للعمل، خرج من البيت فارغ الجيب بجسد أنهكه التفكير، وحين وصل إلى فرن الخبز، فوجئ بأحد الأطفال القاصرين (الذين سرق ميراثهم) وهو يطلب الخبز مجاناً من صاحب الفرن.

لقد تشابهَ السارق والمسروق، كلاهما لا يمتلك نقودا لشراء الخبز، لكنهما حصلا على ما يريدان من صاحب الفرن، وكلاهما حملا كيس الخبز إلى بيته، في الطريق عرف الرجل السارق من الطفل أنهم تعرضوا للسرقة في النهار الفائت، وأن أحد اللصوص سرق الأموال التي تركها أبوهم لهم، وأنهم الآن بلا حول ولا قوة، ولا يمتلكون وسيلة للعيش، شعر السارق بالخزيّ والعار وهو يستمع لكلمات الطفل القاصر.

دخل الطفل إلى بيته المسروق وهو يحمل كيس الخبز، فيما دخل اللص إلى بيته بكيس الخبز بكرامة مهدورة، وبعد أن رأى الرجل السارق حال الطفل القاصر، قرّر مع نفسه أن يعيد المبلغ إليهم، لكنه قبل أن يتّخذ هذه الخطوة فكّر أن يخبر زوجته بالأمر ويستشيرها، خصوصا أنه لا يمتلك دينارا واحدا في البيت سوى هذا المبلغ المسروق.

توالت عليه الضغوط النفسية الهائلة، فساعات الليلة الماضية مرّت عليه ثقيلة مؤلمة وهو يتذكر أخلاق أبيه وكفاحهِ، لم يكن يخطر في باله يوماً أن يصل إلى هذا المستوى من الدناءة والرداءة وموت الضمير، قرَّع نفسه كثيرا، وبكى بينه وبين نفسه طيلة ساعات الليل.

حول مادة الإفطار الفقيرة، جلس السارق هو وزوجته وأطفاله الثلاثة، بدا مشتّت الفكر، وجهه مطعوناً بالحزن، وعيناه مصابتان بالاحمرار، لاحظت زوجته ذلك، وبعد أن تناولوا وجبتهم، وقبل أن يطلب زوجته للاستشارة، سألته إن كان يعاني من مشكلة ما، فنظر إلى أطفاله الثلاثة والتزم الصمت، ماذا يقول لها وكيف يبرر فعلتهُ بعد أن تطاول على أموال أطفال قُصَّر؟

لكنه في النهاية لم يستطع اتّخاذ القرار القاطع بإعادة المال المسروق، الفقر يضغط عليه وعلى أطفاله وعائلته، والحصول على فرصة عمل باتت مستحيلة، لكنَّ صور الأطفال القاصرين ووضعهم المزري لم يغادر تفكيره لحظة واحدة.

بعد أن خرج أولاده للشارع انفرد بزوجته، وأباح إليها بالسرّ (لقد سرقتُ ميراث الأطفال القاصرين)، صُدمت الزوجة بهذا الخبر، صرخت كأنها فُجِعت بأحد أطفالها! (ماذا تقول، سرقتَ جيراننا؟؟، تعديت على أموال أطفال قصَّر؟؟)، بكت المرأة بصوت عالٍ، وشعرت بالخيبة، لم تكن تتوقع أن زوجها يُقدِم على فعلةٍ كهذه، نهضت من مكانها كالملسوعة، وبدأت تجمع ثيابها وثياب أطفالها في حقيبة صغيرة، قررت ترك بيتها وزوجها والذهاب إلى أهلها.

أسرع الزوج السارق إلى دولابه، أخرج كيس أموال القاصرين، وفرَّ خارجا من البيت، وفي لحظات وصل بيت القاصرين القريب، ترك كيس الأموال على عتبة الباب وطرقه بقوة ثم انسحب بهدوء مبتعدا، خرج أحد الأطفال، لم يجد أحدا عند الباب، رأى كيسا على عتبة الدار، عاد إلى البيت وأخبر أمه، خرجت ورأت كيس النقود، شهقت فرحا وفرّت دموعها من عينيها، حملت الكيس إلى الدخل وفتحته لتجد كامل المبلغ المسروق وقد عاد إلى أطفالها دون أن تعرف من سرقهُ وكيف عاد لها.

وحين دخل الزوج بيته، كان فارغا من زوجته وأطفاله، جلس في غرفته صامتا، مهموماً، مشوّش الذهن، فقد خسر زوجته وأطفاله، وفقد المبلغ الذي سرقهُ أيضا، لكنه مع كل ذلك شعر أنه أزاح عن صدره همّاً ثقيلا حين أعاد المال إلى أصحابهِ، فكَّر أن يلحق بزوجته وأطفاله إلى بيت أهلها.....

في هذه اللحظات رنَّ موبايله الرخيص، وطرقَ سمعَهُ صوت واضح:

- هل أنت فلان ابن فلان؟

- نعم أنا .....

- غدا نرجو حضورك إلى معمل الإسمنت، لقد حصلت على فرصة عمل .........

انقر لاضافة تعليق