من المحال إقامة نظام سياسي ديمقراطي نوعي إلا عبر أدوات نوعية، هذا الشرط لا يمكن تجاوزه إذا أراد شعب أو دولة ما أن يقودها نظام ديمقراطي قادر على إدارتها وفق معايير الأنظمة الناجحة المتطورة، أدوات هذا النوع من الأنظمة هي الأحزاب النوعية المتميزة، وبغير هذه الأحزاب لا يمكن إقامة دولة ناجحة ولا نظام ديمقراطي راسخ.

إذاً يستحيل تخلي الدولة والشعب عن الأحزاب، إذا كان الهدف صنع نظام ديمقراطي، وهذا يعود إلى أهمية دور الأحزاب السياسية في تنشيط العمل السياسي، وتحسين الواقع الحياتي للشعب، وترصين مؤسسات الدولة وضمان استقلاليتها، وإدارة الشؤون المختلفة لها بشفافية تامة وحيادية تضمنها القواعد الديمقراطية.

نستنتج ما جاء في أعلاه من الأنظمة الديمقراطية في الدول الناجحة، ففي جميع أو معظم دول العالم، توجد أحزاب وشخصيات تشترك بالعمل السياسي فيها، ولكن هنالك فارق كبير بين دول تتبنى أنظمة ديمقراطية فعلية، وأخرى لا تعدو الديمقراطية فيها عن كونها إطار شكلي قشري يتبنى أفكارها وقواعدها ولا يعمل بها.

جميع الأنظمة السياسية حتى الدكتاتورية منها تدّعي التحرر والديمقراطية، لكن الفيصل هو العمل الديمقراطي في الواقع، وهناك فارق آخر أن الأحزاب في الدول الديمقراطية الناجحة حرة مستقلة تعمل لمصالح الشعب والدولة، بينما في النظام الدكتاتوري فأما يتم تطبيق نظام الحزب الواحد أو القائد حيث يجعل من الأحزاب الأخرى تابعة مطيعة وشكلية مجرَّدة من أي دور سياسي في صنع القرار.

التأثير الديمقراطي الحاسم للأحزاب

هنا نجزم بأن جودة السياسة أو سوء قراراتها يرجع إلى الأحزاب السياسية التي تنشط في الميدان السياسي للدولة، وقد أثبتت التجارب في الدول الديمقراطية هذا التأثير الحاسم للأحزاب، ولكن عندما تكون هناك عاهة تصاب بها هذه الأحزاب، سوف ينعكس ذلك على النظام السياسي للدولة، وعلى الدولة برمّتها، بل تظهر انعكاسات ذلك حتى على الشعب.

ما هو نوع أحزابنا في العراق؟، هل هي نوعية، تعمل لصالح الدولة والشعب وتدعم أسس النظام الديمقراطي الناجح، أم أنها مصابة بعاهات تمنعها من القيام بهذا الدور الحاسم الذي يحدد سلامة الحزب من إصابته بمرض التصادم مع الآخرين أو التقارب منهم وفقا للمنفعة والمصلحة؟

وقبل ذلك ما هي العاهة السياسية؟، يصف المختص الفسيولوجي العاهة بأنها حالة مرضية مستعصية، تشلّ الجسد والذهن فتؤثر على التفكير، وتصبح في معظم الأحيان، مشكلة تؤدي الى العجز في أداء الواجبات كما يجب، لكنها لا تنحصر في الإنسان وحده، لأنها قد تصيب كيانات أخرى أيضا، فتشل حركتها وتعرقل فاعليتها، وتمنعها من أداء دورها الصحيح.

سوف نجد هذا التوصيف ينطبق على معظم الفاعلين السياسيين في العراق، كما نلاحظ ذلك في الأحزاب السياسية، وهنا نتساءل بوضوح، هل يا تُرى أحزابنا مصابة بعاهات تمنعها من أداء واجبها السياسي على النحو الأمثل؟، وإذا كان جوابنا بالإيجاب، فما هي هذه العاهات، وما مدى تأثيراتها على الوضع السياسي، وهل هناك أمل بمعالجتها؟؟

أسئلة تستدعي إجابات ناجعة غير قابلة للتأجيل أو التسويف أو غض الطرف، لأن ما يمر به العراق اليوم بعد مظاهرات تشرين ومواقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف، لاسيما الموقف الأخير الذي تمخض عن لقاء بلاسخارت مع السيد علي السيستاني، أوجب على الطبقة السياسية والأحزاب أن تتجاوز عاهاتها، وأن تتخلى عن التصادم والاصطفاف مع الآخرين تبعا للمنفعة (المناصب والمغانم).

استثمار الفرصة الأخيرة للأحزاب

اليوم باتت الأحزاب أمام مشهد جديد، وعليها أن تقرأ الدرس جيدا وتفهمه وتطبقه، أما سياسة استغلال الإعلام، من خلال إعلان موقف وإبطان موقف مناقض، فهذه السياسة الحزبية الفاشلة لم تعد تجدي نفعا، بل سوف تصبح وبالا على الأحزاب التي اعتمدتها طيلة أكثر من عقد ونصف في العمل السياسي.

الآن بدأت مرحلة البحث عن نجاح العراق في بناء نظام سياسي ديمقراطي حقيقي وليس شكلي، وهذا يعتمد على مدى فهم واستيعاب قيادات الأحزاب لحساسية هذه المرحلة، فحتى ننجح في بناء دولة المؤسسات التي تحمي حقوق الجميع وتكفلها، لابد من أن تعيد قيادات الأحزاب حساباتها، وتعالج العاهات الفكرية أو السلوكية التي تعاني منها.

ما هو المطلوب من هذه الأحزاب تحديدا؟، أولا إن الأحزاب في العراق مصابة بعاهة التلاعب بالديمقراطية، وثانيا هي مصابة بغياب الشفافية والنزاهة، وثالثا مصابة بتضخيم شخصية القائد الأعلى للحزب، ورابعا هي أحزاب صراعات وليست أحزاب بناء، لهذا فهي تعد أحزاب مقاوِمة – بكسر الراء- للتطور والتقدم، ومن ثم فهي عاجزة عن نقل البلاد من مستنقع الجهل والتخلف والاضطراب، إلى واحة النور والتقدم والاستقرار.

من أهم سبل معالجة العاهات والأخطاء المختلفة هو الاعتراف بها، والاعتراف بالخطأ فضيلة، ومن ثم البدء بعملية التصحيح الجادة، لأن التأثيرات السلبية لهذه العاهات، كبيرة ومؤثرة على حياة الفرد العراقي، وقد أدت إلى ضياع حقوقه المدنية والخدمية وفرصته في حياة كريمة تقلِّص نِسَب الفقر أو تقضي عليها، كما يؤكد واقع الحال، لأن التداعيات الخطيرة التي تنعكس على الوضع السياسي بسبب الأحزاب السياسية وأمراضها لا تحتاج إلى أدلة أو إثباتات.

إنها كما تبدو الفرصة الأخيرة للأحزاب كي تعيد حساباتها، لقد بلغ السيل الزبى، وما عاد في قوس الصبر منزع، فأما أن تعالج عاهاتها وهي معروفة لها، وفي مقدمتها الأسلوب التصادمي من أجل المصالح، والأنانية المفرطة، وتبجيل القائد الأعلى، هذه كلها مظاهر وصفات لا تصنع حزبا ديمقراطيا تقدميا، ولا تليق بأحزاب ديمقراطية يقع عليها اليوم بناء دولة ديمقراطية ناجحة في ظل نظام سياسي ديمقراطي راسخ.

انقر لاضافة تعليق