أنهيتُ رحلة عمل في العاصمة وعدتُ إلى مدينتي، شاركتُ عددا من الركاب في سيارة أجرة متوسطة الحجم نوع (كيّا) انطلقتْ من (كراج العلاوي) وفيها 12 راكبا بالإضافة إلى السائق، كان مكان جلوسي في منتصف السيارة تقريبا بين شابيّن في مقتبل العمر، وكنتُ أنا الكهل الوحيد الذي يجلس بين شابيّن مضيئين تتوهج مصابيح الأمل في عيونهم.

من الأمور التي أحبها أنني لن أبقى صامتا في الطريق، وهكذا بدأت أحاورُ الشاب الذي يجلس على يميني وأشركتُ في حوارنا الشاب الذي يجلس على شمالي، وهكذا اشتركنا نحن الثلاثة في حوار متميز عن رحلة الحياة والأخلاق وأهداف الشباب والصراع بين الحق والباطل وغيرها من المحاور التي لم نكن نخطط لها في حينها، كان حواراً في منتهى الحرية بين رجل يقارب الخمسين وشابّين في العشرين.

في البداية كانت الحوارات عفوية لا توجد وراءها أهداف، هكذا كنت أشعر بما دارَ بيننا نحن الثلاثة، والحقيقة بدأت أميّز بين الشابين من خلال طريقة كلامهما، ونوع الأفكار المطروحة، وما هي الاقتراحات، وبدأت أكتشف أن هناك فارقا بينهما من حيث التفكير والنظرة إلى الحياة وكيفية التعامل معها، أحدهما كان جادّأ خجولا ملتزما جدا وجريئا في طرح أفكاره ومتمسكا بمبادئه، الثاني كان يميل إلى الفكاهة، ويطلق ضحكته بين جملة وأخرى، وحكى لنا بعض الوقائع والنكات اللطيفة، لكنه في نهاية المطاف أيضا شاب جاد وملتزم.

حاول آخرون الالتحاق بحوارنا لكنهم وجودوا أنفسهم خارج السرب، فقد بلغت درجة الانسجام والتناغم بيننا درجة كبيرة، كنتُ أقلّ المتحدثين الثلاثة كلاما، وأكثرهم إثارة للأسئلة المقتضبة وطلبا للرأي أو الأجوبة، وكان الشابان يتناوبان على الإجابات بإسهاب وسلاسة.

وحين بلغنا حدود مدينتنا شعرت ببعض الحزن، لأنني سوف أفارق هذين الشابين اللطيفين، وحين بلغنا (كراج السيارات)، أحد الشابين ودّعنا ومضى سريعا إلى بيته، أما الآخر فقد بقي معي لا يريد أن يكون هذا اللقاء عابرا، سألته:

- هل أنت متزوج؟

فأجاب:

- كلا، إنني أبحث عمَّن ترافقني رحلة الحياة ولم أجدها حتى الآن.

قلتُ له:

- عندي ابنتي تخرجت هذه السنة من الجامعة، فإذا ترغب بها زوجة سوف أساعدك على ذلك.

شكرني الشاب، وتبادلنا أرقام الموبايل وافترقنا، وحين وصلتُ إلى البيت أخبرتُ ابنتي بما جرى وأنني وعدتُ الشاب بأنّك سوف تكونين زوجة له، استغربت ابنتي وترددت من كلامي وقالت أنت لا تعرفه جيدا ولا تعرف أهله ولا مؤهلاته، كيف دخل عقلك بهذه السرعة؟، فأخبرتها أن سنوات عمري الطويلة منحتني خبرة معرفة الناس بسرعة، هذا الشاب ملتزم، ذكي، طيب، خلوق، وطموح، فكّري جيدا ثم أخبريني بالجواب فيما بعد.

مضت أيام ونسيتُ أمر الشاب، وحين ردّت ابنتي بالموافقة على اللقاء بالشاب ومناقشة بعض الأمور، قلتُ لها، إنه لم يتصل، ربما نسي الأمر، أو أنه صرف نظرا عن القضية، في اليوم التالي أي بعد مرور ثلاثة أيام اتصل بي الشاب، وسلّم سلاما حارا وسألني إذا كنت لا أزال عند وعدي بتزويجه ابنتي، فطلبتُ منه أن يتريث قليلا وأنا سأتصل به.

أخبرتُ ابنتي بأن الشاب اتصل بي وطلب مني أن أفي بوعدي له، فقالت ابنتي الأمر يعود لك يا أبي، فسألتها هل عندك مانع من اللقاء به في متنزّه المدينة وأكون أنا معكما، أجابت بأنها لا تمانع إذا كنت أنا معها، وحين اتصل الشاب مرة أخرى حدّدتُ معه موعد لقاء باليوم التالي في الخامسة عصرا في متنزه المدينة.

ذهبنا أنا وابنتي في الخامسة إلى المتنزه، لم يكن مزدحما بالناس، كان الشاب ينتظرنا داخل المتنزه على أحد المقاعد الخشب، وحين وصلنا إليه، بدأ وجهه يعطي ألوانا شتى، وتلعثم قليلا بالكلام، لكنني ساعدته على تجاوز الخجل ورحبتُ به بقوة ثم جلسنا نحن الثلاثة على المقعد، أنا في المنتصف وابنتي على يميني وهو على يساري، وقلتُ لهما الكلام التالي:

- بعد قليل سوف أترككما وحدكما، وأذهب أتجول في المتنزّه، سأغيب عنكما ساعة أو ساعتين، أريد منكما أن تناقشا كل شيء بالتفصيل، وتعرفان بعضكما جيدا، وهل لديكما رغبة حقيقية في بناء أسرة ناجحة، لا تتركوا أي شيء دون نقاش، وبعد أن أعود لكما، أريد أن أعرف النتيجة، فإذا اتفقتما على الزواج خير إن شاء الله، وإن لم تتفقا فأنتَ أخوها وهي أختك وتبقى ابنا لي وقريبا من قلبي.

ثم تركتهما ورحتُ أتجول على مبعدة مسافة منهما، كنتُ أراهما وهما يتحدثان إلى بعضهما بجدية وتواصل، وكنت لحظتها أشعر بالفرح، وبأنني ربما أكون من الآباء القلائل أو الأب الوحيد الذي يخطب لابنتهِ شابا وليس العكس.

وبعد أن عدتُ لهما سألتهما عن النتيجة، فكان جواب الشاب بأنه يتشرف بها وهي أعلنت موافقتها به، وفي غضون شهور قليلة تمَّت مراسيم الزواج، وفتحا بيتا جديدا وكوّنا أسرة جيدة، قوامها الآن خمسة أفراد، هو وهي وثلاثة أطفال، اثنان منهما في الابتدائية، والثالث في رياض الأطفال، واستطاعا بناء بيت ملك لهم...

هذه الحكاية من صلب الواقع، أقدمها للأمهات وللآباء كي يخطبوا لبناتهم، بدلا من العرف السائد، فأنا أب خطبتُ لابنتي ونجحتُ في ذلك أيّما نجاح.

انقر لاضافة تعليق