قبل أن أتعرَّف عليه بعمق، كنتُ أظن أنه إنسان متعالٍ، السبب في ذلك ميله الشديد للهدوء والتحدّث مع الآخرين بصوت خفيض، شكلهُ يوحي بالاتّزان، رجل ثقيل كما يُقال، وعصرنا هذا لا يستسيغ هذا النوع من الرجال، حيث السرعة طغت على كل شيء، السرعة في الحركة، في الكلام، في تشبيك العلاقات والمصالح، وكثيرا ما يردد الناس المثل المصري المعروف (الرزق يحب الخفيّة)، أي يتطلب الرزق من الإنسان أن يكون خفيف الحركة.

صديقي الذي كان هدوؤه من النوع الثقيل، لم يكن متعاليا ولا متكبرا، هذا ما اكتشفته بعد أن أصبحنا أصدقاء، واستمرت صداقتنا أكثر من ثلاثة عقود، بقيَ كما هو هادئا متصالحا مع نفسه، لا يمكن لمصاعب الدنيا كلّها أن تستفزّه أو تجعل منه عصبيّ المزاج، ولا أبالغ إذا قلتُ لكم أنني طيلة رحلتي معه وكنّا نلتقي بشكل يومي تقريبا، لم أرَهُ عصبيّا، ولم يعلُ صوته على أحد، حتى تذمره من قسوة الظروف كان يخرجُ من فمه بهدوء عجيب.

على العكس منه تماما صديق ثانٍ، وهو أيضا ربطتني به سنوات طوال ثقال، لا أذكر يوماً مرّ عليه إلا وكان في مشكلة مع نفسه ومع الآخرين، لم يتصالح مع ذاته إلا نادرا، وحين ينطق الكلمات تخرج من فمه عالية صاخبة، كأنه في معركة كلامية لا تتوقف، ولم ينحصر الأمر بالكلام، لأن تقاطيع وجهه كلها تتغير، تنكمش، تتمدد، يقطّبُ حاجبيه، وتظهر الأخاديد في جبينه، ويعصف به الغضب، فيخرج كلامه كسيل من الرصاص من فوهة بندقية.

وما بين الصديقين، الهادئ والصاخب، أنا الذي يتأرجح سلوكي وكلامي بين الهدوء والصخب، فكّرتُ بعائلتي أبنائي وبناتي وزوجتي، وبالأجواء التي تسود العائلة عند النقاش أو الحوار، كان بالفعل نقاشنا يتلوَّن بين الحدّة واللين، بين الشدة والتراخي، بين التزمت والتراضي، بين الصراخ الذي يثقب طبلة الأذن والصوت الذي نكاد لا نسمعه بسبب خروجه من الأفواه خفيضا، فكّرتُ بأجواء البيت لدى صديقي الهادئ كيف كان، هل كان باردا أم متوترا، مفيدا أم عبثيا، حيويّا أم ميتا؟؟

فكّرتُ أيضا بأجواء بيت صديقي الصاخب وكيف كانت لاسيما أن عائلته تتكون من أبناء وبنات إضافة للزوجة، وخطر في بالي أن ما يجري في بيت صديقي الصاخب يتناقض تماما مع أجواء بيت صديقي الهادئ، وهذا بالفعل ما لمسته حين كنت أزورهما لبيتهما بشكل متناوب، هل هذا يعني أن ما ينشأ في البيت من أجواء وثقافة تفكير وسلوك هو صنيعة الأب أو الأم أو كليهما، وهل ينعكس سلوكهما وطريقة كلامهما وحوارهما على الأبناء؟؟

في دراسة قرأتها مصادفةً في مطبوع أخلاقي تقول: أجريَ اختبار على مجموعة قليلة من الأطفال الرضّع (من 3 إلى 4 شهور)، تتعلق باكتشاف ذاكرة الطفل وهل أن المفردات التي يسمعها في هذا العمر تبقى راسخة في ذاكرته أم لا، فتمّ أخذ مجموعة من الرضّع وعزلوهم في غرفة وبدأت التجربة بترديد مفردات معينة على أسماعهم، نفس الكلمات يتم إعادتها عليهم بتكرار استمر عدة أيام، ثم أوقفوا التجربة.

بعد شهر من ذلك، جاءوا بمجموعة الرضّع، وتم وضعهم في غرفة أيضا، وبدأ المشرفون على الدراسة بذكر خليط من المفردات بشكل متتالٍ على سمع الأطفال وكانوا يراقبون وجوههم وحركاتهم، فحين تكون المفردة من تلك المفردات التي سمعها الرضّع في التجربة الأولى، كانوا يتنبّهون لها ويتفاعلون معها من خلال الإصغاء وحركة العيون دلالة أنهم يعرفون هذه المفردة، وحين يتم ذكر مفردة أخرى غريبة لا يتفاعلون معها ولا يصغون لها وتمر دون أن تثير انتباههم.

ماذا يعني ذلك؟؟

هذا يعني أن الأطفال منذ ولادتهم يسمعون المفردات التي يتبادلها الأب والأم، فإن كانت مفردات جميلة هادئة مهذبة فسوف تكون خزينا ممتازا تحتفظ به ذاكرة أبنائهم، ذكور وإناث، بمعنى حين يكون النقاش والحوار بين الأبوين هادئا عقلانيا متوازنا بعيدا عن الضجيج والصراخ وفرض الرأي بالقوة، فإن الأطفال سوف يتعلمون ثقافة الحوار الهادئ المتوازن الجميل ويصح العكس.

حين كنتُ أزور صديقي الهادئ في بيته، كنتُ ألاحظ الهدوء فعلا، سواءً في الحوار بين أطفاله بعضهم مع بعض أو مع أمهم، أو في الجو العام للبيت والعائلة، كذلك لاحظت أجواء التوتر ومنطق فرض الرأي بالقوة لدى عائلة صديقي الثاني، وبعد قراءتي للدراسة أعلاه أيقنت أن الأب بإمكانه أن يغرس ثقافة الحوار الناضج المتزن في عائلته بالتعاون مع شريكة حياته، وبإمكانه أيضا أن يصنع عائلة لا هوادة بين أفرادها ولا هدوء ولا يسودها منطق الاتزان والحوار الهادئ النافع.

الأب والأم عليهما الانتباه والتدقيق في مفرداتهما، حتى نبرة الصوت لها أثرها في ذاكرة الطفل، فهو منذ الأيام والأشهر الأوَل، يبدأ يلتقط بمجسات ذاكرته طبيعة المفردات، وطريقة أو نبرة لفظها، ويقوم بخزنها في رأسه، لتؤسس له طريقة الحوار، وطبيعة الكلمات ونبرتها، وعلى أساسها يمكن أن يكون تصادميا عنيفا متزمتا، أو على العكس من ذلك، لطيفا هادئا متوازنا، مهمة الأب والأم كبيرة وعليهما تقع مسؤولية بناء شخصية الطفل ومن ثم المجتمع.

انقر لاضافة تعليق