في حكاية شعبية هناك شيخ ريفيّ ثريّ، والثراء قديماً كان يتمّثل بالمال والبنين، وهذا الشيخ يمتلك الكثير من الأراضي الزراعية والبساتين، وعنده مجموعة من الأولاد الأصحّاء الأقوياء، ولديه الكثير من الماشية (الأغنام والماعز والأبقار وسواها)، في أحد الأيام كان هذا الشيخ على فِراش المرض حين جاء له أولاده وأخبروه بمقتل كلبهم الذي يحرس الماشية ليلا، وسألوه عمّا يفعلونه، فأجابهم بجملة واحدة مختصَرة:

- أقتلوا قاتل الكلب.

لم يعبأ الأولاد بوصيّة أبيهم ولم يبحثوا عن قاتل الكلب، لأن قيمة الكلب في رأيهم لا تساوي قيمة الإنسان الذي قتله، وفي اليوم التالي قُتِلَت شاة معافاة وجاء الأولاد يستشيرون أباهم وكرر عليهم أن (أقتلوا قاتل الكلب)، وفي اليوم التالي تم قتل بقرة حلوب، وكانت نصيحة الشيخ المريض لأبنائه أن أقتلوا قاتل الكلب، ولم يلتزم الأولاد بهذه الوصية رغم أن مسلسل القتل للماشية كان مستمرا، ثم انتقل القتل من الماشية إلى أحد أولاد الشيخ، فثارت ثائرة الأبناء وأتوا مسرعين إلى أبيهم وطلبوا نصيحته فيما يفعلون بعد أن قُتل أخوهم، فقال لهم:

- أقتلوا قاتل الكلب!!

..................................

هناك مصرف يتكون من ثلاثة طوابق بالإضافة إلى الأرضي، ليس فيه مصعد كهربائي، هذا المصرف يقدّم المعاملات والتسهيلات المالية كغيره من المصارف، الإيداع، التوفير، السحب، التسليف، القروض.... إلخ، هذا المصرف يتعامل مع شريحة المتقاعدين أيضا، لكن الأمر الغريب أن القسم المخصص لمراجعات المتقاعدين وضعتْهُ إدارة المصرف في الطابق الثالث، بمعنى حين يأتي المتقاعد لاستلام راتبه أو للحصول على سلفة، عليه أن يتسلق سلالم ثلاثة طوابق، ومعظم أو جميع المتقاعدين بأعمار تتجاوز الستين، أي أنهم كبار السن ومعظمهم مصابون بالأمراض المزمنة، السؤال الذي نوجهه لمدير المصرف الحكومي، لماذا تتعمّد إذلال هذه الشريحة، كان الأجدى بك أن تجعل قسم السلف في الطابق الأرضي أو إقامة مصعد ينهي معاناة صعودهم إلى الطابق الثالث.

هذا السلوك يدل على أن الدولة غير معنية بالإنسان في بلدنا، كذلك ثقافة الرحمة والشعور بالآخرين ملغاة أو قليلة في أفضل الأحوال، كما أن الحكومة ووزارة المالية ليست لديها رقابة على المصارف والدوائر الأخرى، وهي غير معنية بالجانب الإنساني الذي يتعلق بالمتقاعدين وغيرهم، هذا ليس اتهاما لأحد بل هو واقع لا تستطيع الحكومة ووزارة المالية إنكاره.

التلوّث بالفساد طال هذا المصرف حتى مع شريحة المتقاعدين، وهذه حكاية أحد المتقاعدين من الكبار في السن، حكاها لي بنفسه، أنقلها هنا إلى الحكومة ووزارة المالية، يقول المتقاعد فيها:

- بعد مراجعات ومعاناة وشروط الكفيل وسواها، حصلتُ على سلفة قيمتها ثلاثة ملايين دينار عراقي من المصرف المذكور، فأعطيتُ منها مبلغا للكفيل مقابل كفالته، وحمدتُ الله لأنني أخيرا حصلت على هذا المبلغ وأستطيع الآن إجراء عملية جراحية مهمة لعيني، ومنذ الشهر الأول بدأت أحلم بنهاية مبلغ السلفة الذي أخذ من راتبي نسبة جعلتني أكثر فقرا وعوَزا، فصرتُ أتابع القطع شهريا وأعدّ الشهور واحدا تلو آخر وأسجّل ذلك في ورقة خاصة شهريا، إلى أن انتهت شهور القطع من راتبي بعد ثلاث سنوات، لكنني فوجئت بعدم الكف عن قطع مبلغ السلفة حتى بعد تسديدها بشكل كامل، قمتُ بمراجعة المصرف وبدأتْ رحلة الصعود إلى الطابق الثالث، كنت أتوقّفْ كثيرا كي أسحب أنفاسي، وأنظر إلى المتقاعدين وهم يصعدون أو ينزلون وكانت أنفاسهم ولهاثهم يفطر القلب، وما زاد الطين بلّة لبس الكمامة التي تقطع الهواء عنهم، فمن شروط الدخول للمصرف ارتداء الكمامة بشكل إجباري خوفا على حياة المتقاعدين!!، سمعتُ أحدهم يقول، إنهم لا يخافون علينا بل هم يوغلون في مضاعفة معاناتنا، ولو أنهم يخشون علينا لما أجبرونا على صعود ستّة سلالم كي نصل الطابق الثالث، وحين وصلتُ إلى الموظفة المعنيّة وأخبرتها بأنني سددتُ مبلغ السلفة لكن القطع من راتبي ما زال مستمرا، أجابت بكل برود راجعنا في الشهر القادم، وامتثلتُ لها وراجعت المصرف وكان جوابها مشابها للأول، وفوجئت أنني ليس الوحيد في معاناة استمرار قطع مبلغ السلفة بعد تسديدها، ثم سمعتُ أحد المتقاعدين وهو يقول، إنهم يستمرون بالاستقطاع وبعد أن يتراكم المبلغ تبدأ مساومات المعقبين على استرجاعه مقابل نسبة منه، فحتى هذه الشريحة الفقيرة المتهالكة لم تسلم من فسادهم.

...................................

تشنّ حكومة العراق اليوم برئاسة الكاظمي حملة على الفساد كما أعلنتْ، وهي أقوال ردّدها رؤساء جميع الحكومات السابقة و وزراؤها، لكن الفساد في البلاد لا يزال مستمرا، في وتيرة متصاعدة.

الآن نعود إلى حكايتنا الشعبية التي بدأنا بها كلمتنا هذه، ونقول للوزارة الحالية ورئيس وزرائها، إذا كانت لديكم نيّة صادقة لمحاربة الفساد، فيجب أن تستفيدوا من حكاية الشيخ الثريّ، وعليكم أن تبدأوا بمعالجة أسّ أو جذر الفساد، فمن غير هذه الخطوة الجذرية الحاسمة، لا يمكنكم النجاح في مساعيكم....

سيادة رئيس الوزراء: أقتلوا قاتل الكلب حتى تنجحوا......

انقر لاضافة تعليق