يُحكى أن رجلا غنيا كان كلّ همَه في الحياة أن يحصل على المال، لا يهمّهُ كيف يأتي هذا المال، هو غير معني بالحلال والحرام، ولا يرقّ قلبهُ على فقير أو مريض، كأنّه جاء لهذه الحياة من أجل اكتناز المال، وليس له أي هدف آخر.

كانت لديه غرفة معزولة عن العالم، بناها بطريقة سرّية، اثنان فقط ممّن يثق بهم الرجل المغرم بالمال، بعرفان أسرار هذه الغرفة، وحين يحصل أحدهما على إجازة يذهب بها إلى عائلته، كان يسرّب (أسرار الغرفة) إلى شخص يثق به، وكان يقول له لا تحكي أو تقص هذه الأسرار إلا بعد موتي.

كان الرجل مكتنِز الأموال يخشى الآخرين، حتى أقرب الناس إليه لا يعلم بحياته ومقدار أمواله، وكان لديه صندوق محكم الإقفال لا يعرف مفاتيحها أحد غيره، حتى حارساه لا يعرفان بذلك، هذا الصندوق أخذ حيّزا كبيرا من الغرفة السرية، الحارسان اللذان يثق بهما الرجل المغرم بالفلوس، هما وحدهما يعرفان عالم الرجل وأسرار غرفته لكنهما لا يعرفان كيفية فتح الصندوق المحكم.

حين كانت عائلة الرجل تزوره يرفض ملاقاتها، يرفض زيارة زوجته، ولا يستجيب لطلبات أبنائه، ويطرد أقاربه وأصدقائه، ويوم بعد آخر صار وحيدا في الحياة، إلا من الفلوس التي كان يجد فيها بهجته وراحته واطمئنانه، لا تربطه علاقة مع شخص إلا إذا كان سببا بحصوله على الأموال، فعلاقاته محصورة بأصدقاء الصفقات والأثرياء الذين يتشابهون معه بالبخل وجمع الفلوس بأية طريقة كانت.

لم يكن محط احترام أحد من أهل القرية الغنية التي يعيش فيها، الجميع يعرف غناه ويتحاشاه لبخله، حتى أمهر المتملقين وأكثرهم خداعا وتلاعبا، كان يفرّ هاربا بالنتيجة من الرجل البخيل لأنه لا يحصل منه على فلس واحد، وكل من لا يعرف الرجل الغني البخيل يظن أنه شحاذا أو مشرّدا بسبب ملابسه الرثّة ونعله العتيق.

حتى حارساه كانا يحقدان عليه ويبغضانه، بل بلغ حقدهما أوجهُ، ولو لا البطالة وشحة فرص العمل لا يبقيان معه يوما واحدا، وذات ليل شتويّ قارس البرد، أظلم، شحيح الضوء، لا نجوم ولا قمر، السماء مغطاة بغيوم سوداء بدأت تقترب من الأرض وتكتم أنفاسها، في هذا الليل البهيم، أشعل الرجل البخيل شمعة صغيرة لأن الكهرباء قُطِعت بفعل الأمطار والرعد الشديد، و وضع الشمعة فوق علبة سمن عتيقة فارغة صغيرة مركونة في الزاوية.

كان الحارسان معه في غرفته التي اكتظّت بملابس رثّة، وأوانٍ متسخة، وصناديق صغيرة لا أحد يعرف ما فيها سوى الرجل البخيل، وتكدست أفرشة عتيقة فوق بعضها، وكان صندوق الأموال يحتل مساحة كبيرة من الغرفة، بقي الرجل البخيل صاحيا، كان الظلام وصرير الرياح قد ضاعف من خوفه وهواجسه، كانت عيناه مثل عينيّ كلب في ظلام دامس، كأنهما مصباحان صغيران يطلقان الضوء على من ينظر إليهما.

الحارسان شعرا بخوف الرجل البخيل، لكنهما لم يفعلا أي شيء يهدّئه ويخفف من روعه، إنهما يمقتانه، ويتمنيان أن يطوله السوء والشر لأنه لم ينصفهما بسبب تعلقه الشديد بالفلوس، وكان حقدهما يتضاعف مع كل موقف بخل يبدرُ منه، حتى أن أحدهما فكّر بالسطو على الصندوق وسرقته، لكن العواقب لن تكون محمودة، فصرف النظر عن ذلك واكتفى بالصبر وبما يحصل عليه من أجر قليل يصرفه على عائلته الصغيرة، ولم يفاتح الحارس الآخر بفكرته لأنه يعرف مدى التزامه بالرزق الحلال وترفّعه عن المال الحرام.

لم يتوقف المطر، صرير الريح يعلو، الرعد يتواصل ويرجّ الغرفة رجّا، ومع ذلك نام الحارسان وتغطَّيا بغطاء سميك بسبب شدة البرد بعد أن أحكما غلق الغرفة جيدا، وحين غفيا خفّت موجة الخوف والوسواس التي اجتاحت الرجل الغني بالمال الحرام، فأغمض عينيه وغطّ في نوم عميق، وفي لحظة لامس أحد الحارسين علبة السمن الفارغة بقدمه فسقطت الشمعة على الملابس المتسخة، وبدأت النار تشتعل رويداً وتأكل كل ما تجده في طريقها، دخان أسود بدأ يتصاعد بقوة وينتشر في فضاء الغرفة المغلق بإحكام.

أحد الحارسيْن شعر بحرقة في عينيه وصعوبة في التنفس، أزاح الغطاء عن وجهه فرأى الدخان الأسود يتصاعد بقوة، أصيب بالرعب، أيقظ صاحبه الحارس الثاني، وفرّا معا بعيدا عن النار والدخان الأسود، فيما بقي الرجل الغني الفقير حبيس الغرفة المغلقة، في الصباح تجمَّع فقراء القرية عند الغرفة المقفلة، كانت تحدث أصوات غريبة في جوفها، لم يعرف أحد كيف يفتح باب الغرفة المغلق، بل لم يخطر في بال أحد من أهالي القرية إنقاذ مَن في داخلها.

بعد ساعات حين كشفت السماء عن وجهها، والشمس تعلّقت في قلبها، وسكبت ضوءها على الأرض، فتحت السلطات باب غرفة الرجل البخيل، فتدفقت أبخرة سوداء إلى الخارج، وشيئا فشيئا اتضح ما في داخل الغرفة السرية، أكداس من الرماد الأسود، احترق الصندوق الكبير بأمواله المكدسة، واشتعلت الألبسة الرثة، وكان جسد الرجل البخيل وأشلاؤه ودماؤه هو الزيت الذي ساعد النار كي تحرق كل شيء بما في ذلك الفلوس التي خرَّبت النفوس.

انقر لاضافة تعليق