أنا وهي والجدران تحيط بنا، جالسة على الكرسي الطبي المتحرك، تتلفّت يمينا وشمالا، تجوب أرجاء البيت الكبير وصالته الواسعة، تغرقُ في الصمت، وتُغرقني معها، هكذا انتهينا، أنا وهي، بعد رحلة زواج تجاوزت الأربعين سنةً، تركَنا جميع الأبناء لرحمة الفراغ والضجر، بيتنا كبير فيه خمس غرف وصالة كبيرة، في زمن مضى كانت هذه الغرف تضجُّ بالحياة، كنتُ أشترك مع زوجتي في توبيخ الأبناء والبنات، كانوا سبعة، ثلاث منهم بنات وأربعة ذكور، صراخهم كان يصمّ الآذان، لكنهم كانوا يصنعون الحياة ويجعلونها أكثر حيوية وجمالا.

بعد الرحلة الطويلة، مضى كلٌ منهم إلى حياته الخاصة، تزوجوا جميعا، الأولادُ والبنات، واستقلوا في بيوت خاصة بهم، وأصبح لكل منهم أبناء، تركونا وحدنا، أنا وأمهم الذاوية أمامي على كرسيّها المتحرّك، تركونا بعد أن عبرنا بهم السنوات العجاف، كبّرناهم، ربيّناهم، سهرنا الليالي الطويلة عليهم، حميناهم من الحرّ والبرد، من الجوع والمرض، من الفاقة والفقر، ولبّسناهم أجمل الألبسة، ذهبنا بهم إلى المدارس، أمهم وأنا، لا أتذكر أن أحدهم ذهب وحيدا إلى المدرسة، أما أمه معه أو أنا، وحين يمرضون في ليل الشتاء الطويل نبكي بدلا منهم ونتألم معهم، وحين اشتدّ عودهم... وكبروا.. ذهبَ كلٌ منهم إلى حياته الخاصة، وتركونا لجدران الصالة الواسعة وللغرف الخمس التي نخشى أن ندخلها مخافة اشتعال الذكريات.

قالتْ زوجتي بعد صمت طويل:

- لا أتذكّر شيئا من حياتي، أنا أعيش هذه اللحظة فقط!

قلتُ لها:

- لقد عشنا ما فيه الكفاية، وتركنا وراءَنا صدقات جارية.

قالت:

- لكنّ الوحدة تحاصرنا والفراغ يقتلنا.

هدَّأتها وقلتُ لها:

- لقد اقترب الخميس.. اصبري.

في كلّ خميس يتقاطر علينا أولادنا وبناتنا كالمطر، عائلة بعد أخرى، هم وأحفادنا، وأحيانا يأتي معهم أزواجهم، هذا البيت الكبير، والصالة الواسعة تمتلئ بأنفاسهم، بضحكاتهم، بأصواتهم التي لا تكفّ عن الكلام، أما الغرف الخمس فهي تكاد لا تكفي للأحفاد، يلعبون فيها، يصرخون، يتبارون، يعيشون عالم الطفولة وينسون أمهاتهم وآباءهم، في كل خميس تعود الحياة لهذا البيت الكبير، أحيانا تختلي زوجتي ببناتها، فأبحث عنها لأجدها في إحدى الغرف وقد تحوّلت إلى أم كأنها في بداية زواجها، تحتضن بناتها جميعا بين ذراعيها، لا تريد أن تفقد واحدة منهنّ، وجهها ممتلئ بالنور والعافية والبهجة، والضحكات لا تتوقف، والفرح يشعّ في الوجوه كالمصابيح، لكنني في غمرة فرحها كنتُ أرى الحزن يموجُ في عينيها حتى تكاد تبكي، هنا أتدخّل وأقتحم خلوتهنَّ، وأسألُ زوجتي:

- أيعقلُ هذا؟، لماذا أنت حزينة كل هذا الحزن؟

تقول وقد أربكها سؤالي:

- وأنا في غمرة هذا النعيم مع بناتي، أتذكّر الآن لحظة المغادرة، وحين يغادر أولادي وبناتي وأحفادي بيتنا، أتذكر عذاب الصالة الواسعة وفراغ البيت الكبير!!

ضجّت الغرفة القريبة بأصوات الأحفاد، صرخ أحد الآباء محذّرا إياهم، وأطلق الأب الآخر توبيخا قويا، حتى أصوات التوبيخ والتحذير تجعل بيتنا الكبير أكثر جمالا، لأنه بهذه الأصوات يصبح بيتا مليئا بالحياة، فيه روح لا تنطفئ، تنهزم منه الوحدة، ولا يقترب منه الفراغ ولا الضجر.

فجأة رأيتُ دمعة تسيل على خد زوجتي، نزلتْ على وجهها المزروع بالأخاديد، فجلدُ وجهها لم يعُدْ طريّا لدِناً مشدودا كما كان، انكمشَ جلدُ وجهها، وأصبحت عجوزا لا تفارق كرسيّها المتحرك إلا عندما يحين النوم في الليل، وأحيانا لا تنام طوال ساعات الليل، تواصل الصمت والبقاء جالسة في الكرسي، انتبهتُ إلى الصمت المحيط بنا، وإلى الصالة الواسعة والغرف الفارغة، وهربتُ من هذا الواقع المفزع، ثم بدأتُ أفكّر باليوم الأجمل من أيام الأسبوع، إنه يوم الخميس حيث يبيت الأبناء والبنات والأحفاد معنا، وفي يوم الجمعة، نجتمع كلّنا على مائدة الغداء، نتناول الشاي معا، صراخ الأحفاد لن يهدأ طالما كانوا مجتمعين في بيت جدّهم.

قلت لزوجتي الذاوية على كرسيّها:

- لا تحزني فالخميس قادم.

توقّعتُ أنها ستفرح بكلامي، لكن العكس حدث، لقد ضاعفتُ من حزنها، فأمامنا أيام كثيرة حتى يحين الخميس، إننا في يوم السبت الآن، شعرتُ بالضجر الشديد، وتعاطفتُ مع زوجتي، فالخميس لا يزال بعيدا، وفرص القضاء على الفراغ والصمت شحيحة، الكل مرتبط بدوام في الدوائر والمدارس، فلا توجد فرصة للّقاء غير الخميس الذي لا يزال بعيدا.

دنوْتُ من زوجتي وهمستُ في إذنها، إنها سنَّةُ الحياة يا شريكة الدرب الشاق، (آباؤنا زرعوا فأكلنا، وها نحن نزرعُ فيأكلون)، يكفي أننا ملأنا سبع بيوت بالحياة، يكفي أننا بثثْنا الحياة في سبع عائلات، وأكثر من عشرة أحفاد وأسباط، ويكفي أيضا أن أبناءنا (الذكور والإناث) صالحون، هذا هو حصادنا، إنهم صالحون جميعا، وهذا هو عزاؤنا الوحيد.

استمعتْ لي زوجتي بهدوء وصمت، كانت جامدة فوق كرسيّها كأنها شبح إنسان، لكنها اقتنعت بما قلته لها، ورأيت طيف فرح يشعّ في عينيها، طلبتْ أن أساعدها كي تنزل من الكرسي إلى فراشها، تمدّدت على الفراش، أغمضت عينيها، وهي تردّدُ بصوت خفيض:

- لا يزال يوم الخميس بعيدا، إنهم صالحون، نعم صالحون وهذا يكفي.

ثم خفتَ صوتُها شيئا فشيئا.. وسكنتْ أنفاسُها..........

انقر لاضافة تعليق