مظاهرات تشرين أفرزت الكثير من حالات التميّز والتطور التي لم يألفها العراقيون، وانعكس التطور في مجالات مختلفة، من السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والجديد أو اللافت في هذا المجال أيضا، أنّ مظاهر التطور تركّزت في شريحة الشباب، ويمكن حصرها في الأعمار من 18 سنة صعوداً إلى 25 سنة وأكثر.

هذه الشريحة الشبابية كانت في السابق غير مؤثرة أو ليست مهمة في نظر كثيرين، لاسيما الطبقة السياسية والحاكمة منها على وجهٍ أخصّ، بل حتى المجتمع بصورة عامة كان ينظر إلى شريحة الشباب ضمن الأعمار المذكورة في أعلاه، على أنهم في حالة لهو تام ولا تعنيهم شؤون الحياة المهمة كالسياسة والاقتصاد، وما يهمهم (لعبة البوبجي) والتسكع في الشوارع والكازينوهات وسواها، والضياع في متاهة مواقع التواصل الاجتماعية.

هذا هو الذي كان سائدا عن الشباب العراقي قبل انطلاق المظاهرات في مطلع تشرين الأول الماضي، أما اليوم وبعد مرور ما يقرب من شهرين على هذا الحراك الشعبي الشبابي، فإن تلك النظرة القديمة التقليدية التي كان ينظر من خلالها المجتمع والسلطة إلى الشباب، قد اختلفت تماما، بعد أن تحلّى الشباب بمواصفات جديدة قد لا نجدها في شعوب ودولة متقدمة، فما هي الصفات الجديدة التي يمكن أن نجدها في شخصية شبابنا اليوم؟

في جوْلة استطلاعية بين مخيمات الاعتصام في أكثر من ساحة، ومنها ولعلّ أبرزها ساحة التحرير، حاولتُ ككاتب مهتم بالشباب وكصحفي تلزمه طبيعة عمله بمعرفة المستجدات السياسية والاجتماعية بعد مظاهرات تشرين، حاولتُ أن ألتقط لقطات تدعم الرأي القائل بأن شبابنا بات أكثر وعيا وثقافة، وأكثر شعواً بمسؤوليته إزاء الوطن والمجتمع، فما هي هذه الالتقاطات التي يمكن أن نعدّها جديدة على الشباب؟

- الوعي السياسي لدى الشباب بات مختلفا من حيث العمق والدقة والجودة، فجميع من حاورتهم من الشباب أو تحدثت معهم، وجدت أن لديهم بعد نظر سياسي، وأنهم على فهم كبير بطبيعة المطالب التي يطرحونها، كما أنهم هم من بادر إلى رفع سقف المطالب من خدمية بسيطة إلى سياسية حقوقية عالية، وقد اختصروا مطالبهم فوق الخدمية بمفردة واضحة وهي (الوطن) وصار شعارهم (أريدُ وطن)!.

- برزت بقوة ظاهرة التكافل الاجتماعي، وتبنّاها الشباب المتظاهرين، وتجسَّدت بتقديم مختلف الخدمات كالطعام والماء والمنام، حتى أن هناك عددا من العائلات الفقيرة، وجدت ضالتها في ساحات التظاهر وفي الخدمات التي تقدمها من دون مقابل، كما وجد العاطلون عن العمل فرصة في السكن والحصول على قوتهم اليومي، علماً أن هذه النشاطات التكافلية أثّرت بشكل واضح على سلوك الشباب المسؤول.

- على المستوى الاقتصادي رصدنا أيضا فعاليات مهمة أضافت وعيا جديدا للمتظاهرين عموما وللشباب خصوصا، حيث أُطلِقت حملة كبيرة لتشجيع المنتَج المحلي أو الوطني، ولاحظنا رغبة كبيرة في اقتناء أشياء كثيرة (صنع في العراق) وهذا بحد ذاته يساعد على تطوير الفهم الاقتصادي للشباب، ويدعم القرار المستقل للدولة العراقية.

- برز الحرص الثقافي والفني بقوة أيضا في عموم ساحات المظاهرات، وكان المثال الأقوى ساحة التحرير ونفق التحرير، وتنظيم عشرات المعارض الفنية، والنشاطات الثقافية، وعرض المسرحيات الجادة التي ضاعفت من وعي وثقافة الشباب والمتظاهرين عموما، كما أن ظاهرة تأهيل الأنفاق المهملة حكوميا، كانت حاضرة بقوة والمثال (نفق التحرير) الذي غصَّت جدرانه بمئات اللوحات الغنية بمضامينها والمعبّرة برموزها وأفكارها مما أضاف وعيا عاليا للشباب، فضلا عن إضفاء جمالية واضحة للمكان، وهو دليل على قدرات ومواهب الشباب أولا، وثانيا أثبت تقصير الحكومة في جمالية المدن وأن بالإمكان إعادة الروح إلى كل الأماكن المهمَلة.

- مما تمّ التقاطه من ميادين المظاهرات، ذلك الوعي الكبير لدى الشباب بسلمية التظاهر وشرطيته لتحقيق النجاح، فقد رفض الشباب العنف بمختلف أشكاله ووسائله، وأعلنوا مرارا وتكرار، بأنهم ضد جميع محاولات وسم المظاهرات بالعنف، وآخرها ما حدث في ساحة الوثبة، حيث أعلن الشباب براءَتهم مما جرى، وأن من قام بمثل هذه الأعمال المنافية للسلمية لا يمثلون الشباب السلمي الذي لا يسمح مطلقا للمخربين والمندسين من القيام بمثل هذه التصرفات المستهجَنة.

- أظهرت هذه المظاهرات وجوهاً شبابية واعية ومثقفها، أمكنها الظهور في العديد من وسائل الإعلام، لتعرض أفكارها ومطاليبها وتصوراتها عن الحلول المناسبة للأزمة الراهنة التي يمر بها العراق اليوم، هذه العقول الشبابية، أثبتت جدارتها في إظهار الوعي السياسي، وفهم طبيعة المرحلة، وطرحت أهدافها بشكل واضح على المسؤولين ومن يهمهم الأمر، بدقة وذكاء وعمق وإخلاص، وإذا تمّ التعامل معها بجدية من المعنيين الساسة والقادة، فإنها يمكن أن تشكل مخرجا مناسبا من الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات لتصل ذروتها في مظاهرات تشرين.

ما يمكن أن نتلمّسه، من مستجدات المرحلة الحالية التي يسعى العراق والعراقيون لعبورها بسلام، هو ظهور شريحة شبابية مختلفة عن السابقة ولم تتضح معالمها وملامحها إلا بعد الحراك التشريني، وظهرت علامات شبابية مهمة أكثرها وضوحا وقوة، الفهم السياسي، والوعي بأهمية المنتج الوطني، وقدرة الثقافة والفنون على تطوير المجتمع، أما التمسّك بالسلمية والدعوة لبناء دولة قوية مستقرة ومزدهرة بنظام ديمقراطي تعددي لا مركزي، فإنها تمثل قمة الوعي السياسي للشباب.

انقر لاضافة تعليق