في أواخر الليل تهدأ ساحات التظاهر، وتمتلئ خيم الاعتصام بأجساد الشباب، المفارقة أن تعب ساعات النهار الطويلة لم ينل منهم، فلا ينامون إلا بعد حوارات كثيرة تدور بينهم، كلّها تعبّر عن القلق بشأن ما ستؤول إليه الأحداث، وماذا سيكون مصير البلد، وأي نظام سياسي (جديد) يمكنه أن ينقذ العراق، ويلبي طموحات الشباب والشعب بالوصول إلى حياة كريمة تحفظ حقوق الجميع وتحمي كرامتهم وحريتهم ورأيهم.

في ساعات الراحة القليلة وقبل السكون إلى النوم، دارَ حوار بين شابّين عن شكل النظام السياسي المفضّل لديهما، وكان كل منهما له رأيه المختلف، فهناك من يصرّ على النظام الرئاسي ويرى فيه حلا ناجعا لجميع المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العراق، فيما يرى الشاب الثاني بأن النظام البرلمان فيه مواصفات وفرص كبيرة لإنقاذ العراق ونقله إلى مصاف الدول الديمقراطية الناجحة.

سأل الشاب الأول صديقه الذي يمدّ جسده على فراش قطني تحت سقف خيمة تضج بالأجساد المتعبة:

- لماذا تصر بقوة على النظام الرئاسي كبديل للنظام الحالي في العراق؟

أجابه الثاني:

- الجواب بسيط جدا يا صديقي، لأن النظام البرلماني الحالي قادنا حتى الآن إلى حافة الهاوية، فأشاعَ الفساد، والظلم، والخراب، والفوضى في جميع مفاصل الحياة.

الحقيقة من يقرأ كلمات هذا الشاب الرافض للنظام البرلماني في العراق، سيقول معه حق، لأن النظام البرلماني الحالي تسبب بانتشار الفساد فعلا وتعاظمت المشكلات التي عانى ويعاني منها العراقيون، وبالأخص شريحة الشباب التي أغلقت نوافذ الأمل والمستقبل في وجهها.

الأول: لماذا تأخذ من تجربة العراق البرلمانية مقياسا لفشل النظام البرلماني، فهناك أنظمة ديمقراطية ناجحة، بل هي من أنجح التجارب السياسية، تتخذ من النظام البرلماني طريقا لها لتنظيم شؤون الدولة.

الثاني: لقد جرّبنا النظام الديمقراطي طيلة عقد ونصف من السنوات، وها نحن نرى إلى أين أوصلنا هذا النظام.

الأول: ألم يخطر في بالك أن المشكلة ليس في النظام البرلماني بل في الأشخاص (الكتل والأحزاب) التي فصّلت هذا النظام على مصالحها وكاسبها؟

الثاني: أظن أن 16 سنة من الحكم وعدة دورات انتخابية لمجلس النواب ومجالس المحافظات فرصة كيفية لكي نعرف ما هو النظام الأفضل لنا.

الأول: أظنك ترى في النظام الرئاسي حلاً لمشاكل العراق والشباب خصوصا؟

الثاني: نعم بالضبط، أنا أرى وأؤمن بذلك، ليس وحدي فقط بل هناك الكثير مثلي يؤمنون بالنظام الرئاسي بديلا للنظام الديمقراطي الذي فشل في إدارة العراق.

الأول: لكن النظام الرئاسي فشل بإدارة العراق أيضا، هل نسيت؟؟ أربعة أنظمة رئاسية جمهورية تعاقبت على حكم العراق، لكنها لم تصنع دولة مدنية ولم تقضِ على مشكلات العراقيين، لا الكبار منهم ولا الشباب ولا حتى الأطفال، هل نسيت الحروب المجانية الطائشة، هل نسيت القمع والتعذيب، هل نسيت موجات الاقتتال بين العراقيين؟؟

الثاني: أنا لم أعش تلك الأنظمة، وكنت طفلا في آخر نظام رئاسي، سمعت نعم وقرأت عن فشل تلك الأنظمة، لذلك من يسمع أو يقرأ ليس كمن يرى الأمور ويعيشها بنفسه، أنا عشت فشل النظام البرلماني بنفسي.

الأول: وهل تريد أن تعيش في ظل النظام الرئاسي وتجرّب فشله حتى تؤمن بأنه لا يلبي أمنياتك واحتياجاتك؟

الثاني: ومن قال لك أن النظام الرئاسي سوف يفشل أيضا؟

الأول: لأنه فشل فعلا في أكثر من نظام رئاسي بالعراق، وإذا أردت أن أبيّن لك أسباب فشل النظام الرئاسي أنا مستعد؟

الثاني: تفضل اخبرني لماذا فشل النظام الرئاسي أو سيفشل الآن؟

الأول: لأن النظام الرئاسي يمنح شخص رئيس الدولة صلاحيات واسعة جدا، وسوف يحكم العراق فرد واحد، وليس مؤسسات.

الثاني: وهل استطاعت المؤسسات التي يُقال عنها (مستقلة) في النظام البرلماني أن تحمينا من فساد السلطات؟

الأول: على الأقل الصلاحيات لم يتم حصرها في شخص أو شخصية واحدة، وكما ذكرتُ لك الخطأ لم يكن في النظام بل في (الكتل والأحزاب).

الثاني: لذلك إذا جاء نظام رئاسي يمكن أن ينقذنا من فساد (الأحزاب).

الأول: أعود وأذكّركَ بأن النظام الرئاسي نظام فردي كنّا قد جربناه وذقْنا الويلات منه.

الثاني: وما هو الحل برأيك؟

الأول: الحال نزيح الطبقة الحاكمة الحالية، ونذهب إلى نظام برلماني جديد، في منظومة دستورية معدَّلة أو جديد تقوم على الخطوات التي طالبَ بها معظم المتظاهرين السلميين.

الثاني: وما هي هذه المطالب التي يمكن أن تنقذنا من الفساد والفاسدين؟

الأول: الخطوات معروفة للجميع، منها تعديل الدستور، ووضع قانون انتخابات جديد منصف يضمن الحفاظ على أصوات الناخبين ويمنع التلاعب بها وتزويرها، كذلك تغيير مفوضية الانتخابات وإبعادها عن تدخلات الأحزاب، إقامة انتخابات بإشراف أممي يتم فيها اختيار وجوه جديدة من الكفاءات تتمتع بنزاهة وخبرات وعدالة وضمير.

الثاني: ويمكن تطبيق نفس هذه الخطوات في ظل نظام رئاسي.

الأول: أعود وأقول خطر النظام الرئاسي يمكن في تسليم أمرنا لفرد (حاكم) يتحكم بحياتنا ورقابنا، ولا يمكن أن نحد من صلاحياته عبر مؤسسات، لأنه سوف يتمكن من شل هذه المؤسسات وتحويلها إلى شكلية ومؤيدة له.. وهكذا يمكن أن نعود إلى المربع الأول، مربع الدكتاتورية التي لا يمكن الخلاص منها إذا عدنا إليها بأنفسنا.

انقر لاضافة تعليق