حين تحدث أزمات كبرى في دولة ما، تتصدى لها عقول سياسية قيادية رصينة خبيرة تدرك جيدا طبيعة الأزمة حتى لو كانت صادمة، وتبحث في تفاصيلها، أسبابها، نتائجها، حلولها، وصولا إلى تفكيك تلك الأزمة والوصول إلى حلول ناجعة ترضي الجميع، وحين يتعلق الأمر بأزمة كبرى كما يحدث اليوم في العراق، فإن السلطات الثلاث ستكون معنية بها، بتحليلها والتعامل المباشر معها، ومن ثم اتخاذ القرارات الدقيقة العميقة السريعة التي تهدف إلى إطفاء نيرانها.

كيف تعاملت السلطة التنفيذية في العراق مع ما يجري من مظاهرات عارمة، بات الخط البياني لها في ارتفاع متواصل بل مخيف، وما هو دور عقول الطبقة الحاكمة، وماذا فعلت المؤسسات التي من شأنها القيام بالكثير كالسلطة التشريعية مثلا؟، من يتابع ما تفعله هذه السلطات من إجراءات سيلحظ حالة التخبط والارتباك التي تلفّ هذه السلطات، حتى تبدو القرارات الصادرة حول معالجة أزمة المظاهرات، ارتجالية ومعظمها يدل على جهل كبير في كيفية التعامل مع الأزمات الكبرى التي تتعرض لها الدولة.

نأخذ أمثلة واقعية عن طبيعة التعامل مع الجماهير الغاضبة في العراق، ولنأتِ أو إلى ما قامت به السلطة التشريعية (البرلمان العراقي) من إجراءات، وهل كان موفقا في تعامله مع الأزمة، وهل تمكن في خطواته المعلنة من إخماد أو تخفيف نيران الأزمة؟

الجواب يمكن أن نراه فيما يحدث على الأرض، لقد أطلق مجلس النواب حزمة إصلاحية عبر اتخاذ قرارات عديدة لتخفيف الضغط الجماهيري على الحكومة والدولة، وكلنا تابعنا هذه القرارات ومنها مثلا حل مجالس المحافظات، إلغاء امتيازات الرئاسات الثلاث وصولا إلى المدراء العامين والدرجات الخاصة، منح رواتب للعائلات الفقيرة أو التي لا تمتلك راتبا شهريا، إعادة المفصولين من وزارتي الدفاع والداخلية (المفسوخة عقودهم إلى الخدمة)، وغيرها من الخطوات السريعة التي جاءت في شكل قرارات تشريعية تم التصويت عليها بالإجماع.

ولكن ليست هناك نتيجة جيدة على الأرض، إذ سرعان ما تنبّه قانونيون ومحامون ليؤكدوا أن هذه القرارات البرلمانية لا قيمة لها من الناحية القانونية ولا يمكن تطبيقها لأنها يجب أن تلغى بقانون، وبعضها لا يتم إلا عبر تعديلات دستورية، وهذا الخطأ الجسيم جاء بمثابة سكب الزيت على النار، فاشتعلت حالات الغضب بين الناس المتظاهرين، وتضاعفت الفجوة بينهم وبين السلطة وازداد انعدام الثقة أكثر فأكثر.

وهكذا أسهمت الإجراءات النيابية التي اتخذها البرلمان بصنع مشاكل أخرى معقدة أضافت تعقيدا جديدا للمشكلة الأصلية التي حاول مجلس النواب معالجتها، فما فائدة أن تصدر قرارات لا تعدو كمنها حبر على ورق، وكان الأولى بهذا المجلس أن يعي ما يقرره وما يصوّت عليه، لا أن ينجر إلى انفعال وتسرّع (مزيّف)، سرعان ما تم فضحه، ليتحول الأمر من خطوات لإنهاء الغضب الجماهيري إلى حالات استفزازية جعلت الناس الغاضبة أكثر غضبا من الطبقة الحاكمة.

وإذا أتينا إلى الإجراءات الحكومية التي قامت بها السلطة التنفيذية، فإنها تبدو للجماهير متأخرة جدا عن أوانها الصحيح، كما أنها كانت متسرعة، وبعضها لا يمكن تطبيقه كإجراء سريع يطفئ نيران الاحتجاج والغضب، مثل منح رواتب للعاطلين الذي تطلّب سلسلة من الخطوات الإدارية والتدقيقية ما جعله إجراء غير مؤثر وغير قادر على وأد أو تخفيف الغضب الجماهيري.

من ناحية ثانية كان الأسلوب العنيف الذي تعاملت به القوات الأمنية مع المتظاهرين عنصر بالغ الخطورة وفيه تناقضات أربكت الناس وجعلتها في حيرة من أمرها، فمن جهة يعلن القادة الحكوميون بدءاً من رئيس الوزراء نزولا إلى القادة الميدانيين مثل قائد عمليات بغداد وغيره، ففي الوقت الذي يعلن هؤلاء عن أوامر قاطعة بعدم استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، نلاحظ قوافل الشهداء مستمرة يوما بعد آخر.

وهذا خلق نوعا من الاحتقان الخطير حيث أضمر أهل الشهداء وعشائرهم وأصدقائهم وعموم الشعب الكثير من السخط والغضب على التعامل العنيف مع المتظاهرين والذي أدى إلى إزهاق ما يربو على 300 شهيدا، كان بالإمكان التعامل معهم بطريقة أخرى لا تصل حد القتل، والغريب ذلك الإصرار العجيب من السلطات العليا على قمع المتظاهرين بصورة عنيفة، وهو ما دفع بالشباب وعموم المتظاهرين إلى العناد والتشبث أكثر بموقف المواجهة، وما كان ذلك ليحدث لو تعاملت العقول القيادية بعيدا عن الانغلاق والتشبث بالعنف والقمع الذي لم ينقذ الحكومات العنيفة على مر التاريخ من مصيرها المعروف.

وكان كثير من العقلاء، علماء ومفكرون، بما في ذلك المرجعية الدينية الشريفة، قد حثت السلطات على اعتماد الأساليب السلمية في التعاطي مع المتظاهرين، وبذل المزيد من ضبط النفس، والابتعاد عن كل أشكال العنف، لكن ما حدث هو إهمال لكل هذه النصائح المخلصة، والاستمرار بالتصعيد الذي يُقابَل بتصعيد مشابه من الجماهير الغاضبة، لتدور عمليات كرّ وفرّ مؤسفة بين الطرفين، وهو ما جاء كنتيجة للعقول المغلقة المتحجرة للساسة الذين فشلوا في إدارة الصراع المفاجئ، وأخفقوا في تفكيك الأزمة بعد فهمها وتحليل معطياتها ووضع الحلول الكفيلة لوضع حد لتداعياتها الكثيرة.

الغريب حقا أن القادة العراقيون، الطبقة الحاكمة، والسياسيين، لم يفهموا جيدا طبيعة الجيل المحتج عليهم والمتظاهر عليهم، كما أن يسخرون من الرأي الذي يقول لهم هذا جيل مختلف، تربّى في أجواء جديدة، وفتح عيونه على مواقع التواصل والشوسيال ميديا وصار على احتكاك مع العالم الجديد وحدث له إطلاع وتماس مع الثقافات الأخرى، ومن الخطأ التعامل معه بصيغة القمع والعنف.

كان متاحا للقادة في الطبقة الحاكمة أن يتعاملوا بعنف أقل بكثير بعيدا عن القمع والقتل، وبحكمة عالية، وعقول ليست مغلقة، لكن كل هذا ربما لم يكن واردا في جعبة حلولهم، ومع ذلك نحن نرى أن هناك إمكانية للعودة عن طريق العنف، وإطلاق جملة من الخطوات الفعلية التي من شأنها تخفيف الغضب وامتصاص النقمة والسخط على الطبقة السياسية.

ولعل أهم هذه الخطوات، وضع حيتان الفساد وراء القضبان وخاصة رؤوسه، مع تلبية مطالب المتظاهرين في (إقالة الحكومة، تغيير مفوضية الانتخابات بما يضمن استقلالها التام، تغيير قانون الانتخابات بما يضمن عدالة تامة لأصوات الناخبين، قانون الأحزاب ومنابع التمويل، إجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي) وغيرها من الإجراءات الفعلية الصادقة، والأهم هو الابتعاد التام عن القمع وكل أساليب العنف والتعامل بعقول بعيدة عن التحجر والانغلاق.

انقر لاضافة تعليق