لا أتذكّر أين سمعت أو قرأت هذه الجملة: (إذا أردت أن تعرف أوضاع الناس في مدينة ما، فاركب في تكسي وحاورْ السائق!)، ومع أنني أعيش في هذه المدينة منذ طفولتي، وأعرف عنها أكثر مما يعرفه كثيرون، لكنني اليوم تذكّرتُ الجملة سابقة الذكر، فتحدثتُ مع سائق سيارة الأجرة التي أقلّتني من البيت إلى عملي، بدأت حديثي مع السائق بسؤال يتكرر كثيرا على سائقي الأجرة لكسر حالة الصمت، أو لملء مسافة الطريق بالحوار:

- ما هو رأيك بالناس الذين يركبون معك؟

فأجاب:

- الناس أنواع، فيهم الطيب ويوجد الخبيث.

سألتهُ:

- لماذا تقسّم الناس إلى طيّب وخبيث، ولم تعطهم صفات أخرى، كالخير والشر، والصدق والكذب، والذكاء والغباء .... وغير ذلك؟

أجاب السائق:

- كل الصفات منبعها الطيبة والخبث. تجشّأ قليل وواصل كلامه متسائلا:

- ألا تتفق معي على هذا التصنيف؟

فسألته:

- أيهما أكثر الطيبون أم الخبثاء؟

ضحك بقهقهة عالية وقال:

- الأغبياء أكثر من الطيبين ومن الخبثاء!

سألته:

- لماذا وما هو دليلك؟

فقال بثقة:

- لأنهم لا يحبون النظام ويسخرون من القانون!

فسألته:

- وكيف تثبتُ لي كلامك هذا؟

فقال:

- ألم تسمع بما يُقال عن سائقي الأجرة وما يوصَفون به؟، سائق الأجرة يتجول في شوارع المدينة، يصل إلى كل زواياها، يرى كل أصناف البشر الذين يسكنونها، باختصار سائق التكسي، يعرف كل أو معظم أسرار المدينة.

سألته:

- هل سمعتَ أنتَ بقرار مديريات المرور الذي نُشٍر في وسائل التواصل حول المخالفين؟

أجاب:

- نعم قرأتُ ذلك في أكثر من منشور.

سألته:

- وهل قرأت فقراته، والغرامات المالية العالية التي سوف يتم تطبيقها على من يخالف فقرات القرار؟

قال:

- نعم قرأتها كلها؟

سألتهُ:

- وما هو رأيك فيها وشعورك تجاهها؟

قال بشيء من الثقة أو اليأس:

- أشعر بأن الناس هنا لا يحبون النظام، ولا يرغبون بتطبيق القانون، أحيانا من شدّة اليأس أشعر إن الناس هنا خُلقوا مخالفين، أو فوضويين، الجميع تقريبا لا يرغب بالنظام، ويشارك في فوضى الشوارع والمرور والأسواق والساحات والدوائر، وفي كل مكان لا يوجد هناك من يحب التنظيم ولا النظام!

قلتُ له:

- ولكن هذا يأس مطلق، وتعميم على كل الناس، أليس كذلك؟

فعقَّبَ على كلامي قائلا:

- أستاذ أنا في الشارع يوميا منذ الصباح حتى الغروب، وأرى بعيني كل ما يجري ويحدث، أنا لا أتكلم من فراغ!

طيب أريد أن أسألك:

- ألم تشاهد ظواهر وسلوكيات جيدة، حتى وإن كانت نادرة؟

قال:

- نعم شاهدتُ ذلك، لكنها قليلة جدا، وإذا عقدنا مقارنة بين الصحيح والخاطئ من السلوك، فإننا سنُصاب بخيبة كبيرة!.

قلتُ له:

- برأيك هل نستسلم للخطأ، للفوضى، لكارهي النظام والقانون؟

قال بنبرة يائسة:

- لا يوجد حل أستاذ، نحن نعيش في بيئة اجتماعية لا تحبّ التنظيم، وتريد أن تحصل على كل شيء خارج القانون وخارج حدود الحقوق.

قلتُ له:

- ألا تعتقد بأنكَ تبالغ في اليأس، وتضخّم الأخطاء وتعطيها أكبر من حجمها؟

قال:

- أستاذ ما أشاهده كل يوم وأنا أجوب شوارع ومناطق وأزقة وساحات وأسواق المدينة هو الذي أوصلني إلى هذه الدرجة من التشاؤم واليأس.

قلتُ له:

- هل بادرت يوما ونصحت أحدهم، هل استنكرت فعلاً خاطئا، هل دعوت لتطبيق النظام؟

قال بيأس:

- لم أفكّر أن أنصح أحداً مطلقاً!

سألتهُ مستغرباً:

- لماذا؟؟

قال ساخطاً:

- أستاذ لا أحد يقبل النصيحة، كأنك تشتمهُ حين تنصحهُ!

سألتهُ مجدّدا:

- هل حاولت ذلك؟

فأجاب:

- كلا ولن أحاول!!.

شعرتُ أنهُ يحاول أن ينهي الحديث ويغلق فمهُ وفمي، كان اليأس مسيطراً عليه بالكامل، وشعرتُ أنني في مأزق، كيف أثبت لهذا الإنسان (السائق) الذي يلتقي بعشرات الناس يوميا ومن كل الفئات والمستويات والأعمار، بأنه يستطيع أن يغيّر من بعض سلوكيات الناس خصوصا من ذوي التجارب والأعمار الصغيرة، لكنني أفهم وأعرف وأؤمن بأن من يريد أن يغيّر الناس، لابد أن يبدأ بنفسه، ويغيّرها، ويؤمن بها أولا، فمن يفقد الإيمان بنفسه لا يمكن له أن يغرس الإيمان في نفوس وقلوب غيره.

وقبل أن أصل إلى مكان عملي سألتُ السائق:

- أنتَ هل تحب النظام، هل تكره الفوضى، هل تفضّل تطبيق قرار الغرامات المروري؟

سكتَ برهة، كأنه يفكّر ليجيب بدقة، ثم قال:

- هل تريد الصدق؟ أنا أحب النظام، لكنني لا أرغب بتطبيق هذا القرار!!

فسألته باستغراب شديد:

- تحب النظام ولا ترغب بتطبيقه، لماذا هذا التناقض في تفكيرك وشخصيتك؟

فقال:

- أستاذ النظام، وربما القانون يطبَّق هنا على الفقراء فقط!.

إلى هنا انتهى الحوار، أتساءل الآن، وأخص المسؤولين بالتساؤل، هل صحيح ما قالهُ السائق؟، هل القانون لا يشمل أصحاب النفوذ؟ الكرة الآن في ملعبكم يا من تديرون شؤون الناس!.

انقر لاضافة تعليق