في العصور البدائية لم يكن الإنسان ميّالا للاجتماع، كان التنقّل والمطاردات والخوف والحياة المحفوفة بالمخاطر هي السائدة آنذاك، ومع تطور الخليقة، بدأت بوادر الاجتماع والتحول من الفردية إلى الجماعية بالظهور، وصار الناس يميلون إلى التجمّع مع بعضهم في أماكن محددة، بعدها ظهرت القرى قرب الأنهار، والقصبات ومن ثم المدن، وانتهى عصر عزوف الإنسان عن الاجتماع.

في المراحل التي اعتمدت الفردية، كان السلوك البشري غير محدد بقيم أو ضوابط، وكان البطش والقوة والتوحّش هو الذي يسود تلك المرحلة، ومع استمرار مبادرات التنوير المتتالية، خصوصا في مراحل ظهور أنبياء الله وإطلاق دعواتهم الرسالية، أخذت القيم والأخلاق والمبادئ تظهر بقوة، وتفرض نفسها على الفكر والسلوك، وتنعكس في تعاملات الأفراد مع بعضهم.

بدأت بوادر النظام الاجتماعي بالظهور، بعد أن نضج العقل البشري، وصار واضحا للجميع، من المحال على الإنسان العيش بمفرده، إلا في حالات الظروف القاهرة، كما حدث لعدد من الأشخاص عبر التاريخ، أجبروا على العيش في حالة عزلة قاهرة، وبعضهم قام بمغامرة الانعزال لعقود في مغامرة غريبة من نوعها كما حدث مع الياباني المسنّ ناسافومي ناغاساكي الذي سافر إلى الجزيرة المعزولة الواقعة في منطقة أوكيناوا، سنة 1989، ورصدت السلطات اليابانية الرجل المسن في نيسان من العام الجاري، وأجبرته على مغادرة الجزيرة التي كان يأمل أن يقضي بها آخر أيامه. ونقلت الشرطة، ناغاساكي إلى مأوى حكومي فيما حاولت وسائل إعلام التحدث من الرجل بشأن تجربته لكنه رفض الحديث عن حياته الماضية.

لكن ما يعنينا في مقالنا هذا ليس حالات الانعزال عن المجتمع، بل نحن نبحث عن تأثير السلوك الفردي على النظام الاجتماعي، وما هي التداعيات التي يتركها هذا السلوك على طبيعة بناء النظام الاجتماعي، وهل هناك تأثير ظاهر لسلوك الفرد على الجماعة؟، بالطبع هناك تأثيرات بالغة يتركها سلوك الفرد على الآخرين، لأن المجتمع أصلا مكوّن من مجموعة من الأفراد، وباجتماع قيم هؤلاء مع بعضها، وتلاقح أعرافهم، وانصهار عاداتهم وثقافتهم مع بعضها، سوف يتكون ما يسمى بـ النظام الاجتماعي الذي يحكم مجموعة من البشر ويضبط إيقاع نشاطهم وسلوكهم وحتى أفكارهم وقيمهم وثقافاتهم.

ما هي إيجابيات النظام الاجتماعي؟

للنظام الاجتماعي إيجابيات، مثلما يرى بعض الفلاسفة والمختصين في علم الإنسان، أو الأنثروبولوجيا وهي تُعنى بدراسة البشر وسلوك الإنسان والمجتمعات الماضية والحاضرة، حيث يدرس علم الإنسان الاجتماعي، وعلم الإنسان الثقافي قيم ومعايير المجتمعات، وتدرس الأنثروبولوجيا اللغوية كيفية تأثير اللغة على الحياة الاجتماعية، مثلما يدرس علم الإنسان الحيوي التطور البيولوجي للإنسان، لهذا يؤكد العلماء المختصون أن السلوك الفردي له قصب السبق في صياغة السلوك الجمعي، كونه محكوم بحزمة من القيم والمبادئ المصقولة عبر التاريخ.

هل هناك إيجابيات للنظام الاجتماعي، ما هي، وما تأثيرها في المجتمع، وهل هناك مشكلات في عدم التزام الفرد بالنظام، من الأمور البديهية القول بالنتائج الإيجابية، وبظهور المشكلات العقيمة في حالة عدم الالتزام، لكن العقبة الأساس تكمن في الكيفية التي تتم فيها خطوات حصر السلوك الفردي في إطار المجتمعي الأوسع، وإذا ما تمكن الفرد من ضبط سلوكي داخل الإيقاع الجمعي، سوف يتحول الفرد إلى عامل مساعد لتطور المجتمع وتقدمه.

كيف يصبح الفرد منتِجا منضبطاً إيجابيا في الإطار الجمعي؟، هذه هي القضية الأساسية التي ينبغي أن تسعى إليها النخب العليا القائمة على تعديل وتصحيح وتطوير النظام الاجتماعي، فنتائج الانحدار الأخلاقي القيمي والعرفي معروفة، إنها تنتهي بالمجتمع نحو الضمور وتفشّي الجهل واستفحال الأمراض النفسية والأنانية والاستحواذ وعدم الشعور بالآخرين، وشيوع الأنا المتخلّفة، بالنتيجة تنعكس هذه الدونية السلوكية المنعكسة من منظومة ثقافية فكرية أخلاقية هشّة، على المشهد الاجتماعي ككل، ويستفحل الداء الأخلاقي، وينحدر المجتمع كلّه جارفا معه الأفراد إلى مستنقع التخلف والانحطاط!.

الدراسات الميدانية تؤكد أن هذا النوع من الأفراد يمكن أن نجده في المجتمع العراقي، بل والعربي أيضا، وهذا يعني بأننا نعيش اليوم مأزق ترنّح وهشاشة الفرد والمجتمع العراقي، لأسباب تم ذكرها في أعلاه، تتعلق كلها بحصر الفائدة بالأنا، وانعدام التفكير بحقوق الآخر ولا الاهتمام بها، حتى في الإطار الأخلاقي أو الإنساني، ما يدل على إننا نمر بمرحلة تزييف القيم، ومحاولة القضاء عليها، وعدم انصياع الفرد ضمن الدائرة السلوكية الناصعة التي تنتظم في إيقاع منسجم مع الكلّ أو الجمع.

لا تزال فرصة التقدم متاحة للعراقيين

يقول علماء ومفكرون مختصون بالاجتماع، أن الفرصة لا تزال متاحة للفرد العراقي كي يصحح مساره، ونفس الفرصة متاحة للمجتمع العراقي كله كي ينتشل كينونته من الضياع والانحدار في متاهة الجهل، ما هي الحلول الممكنة للخروج من هذا المأزق المجتمعي الأخلاقي، وما دور الأفراد، والمنظمات، والمؤسسات المعنية، في تجاوز هذه المحنة التي قد تغيب عن بصائر وأذهان الكثير ممن يعنيهم الأمر، كالقادة وصنّاع القرار، وأولئك الذين يتمركزون في مناصب حساسة في الدولة، لكنهم لا يزالون صفر على الشمال في مجال تعضيد القيم وإحراز التقدم المطلوب في بناء النظام الاجتماعي؟

من الحلول والمقترحات التي يمكن أن تُسهم بطريقة أو أخرى في تحقيق بناء النظام الاجتماعي المتوازن ما يلي:

- النهوض بالمسؤولية التربوية والأخلاقية تجاه الفرد العراقي.

- الفرد نفسه مسؤول مسؤولية مباشرة عن تطوير فكره وسلوكه، وجعله في إطار نشاط يصب في صالح المجتمع.

- منظمات المجتمع المدني عليها مراقبة حالات التلكّؤ الرسمي والمدني تجاه ما يحدث من خلخلة متعمَّدة للبناء الاجتماعي الأمثل.

- المؤسسة العلمية المدرسية الجامعية يقع عليها جانب كبير من تصحيح الخلل الاجتماعي.

- للإعلام دور الصدارة في الرصد والإشارة والترويج والتنبيه كي تكون مشاركته فاعلة ومجدية للتطوير المجتمعي.

- المنظمات الثقافية بمختلف مستوياتها وطبيعة أعمالها، مسؤولة عن النهوض بالواقعين الفردي والجمعي.

- رجال الدين والمثقفين تقع عليهم حصة من التنوير، لجعل الفرد مدركاً لطبيعة دوره في تعضيد البناء الاجتماعي.

إن من يلقي نظرة متفحصة لواقع المجتمع العراقي اليوم، سوف يلاحظ بوضوح، تدهور السلوك الفردي، وانشغاله (الغريب) بالأنا والمصالح الخاصة، وستظهر نزعة الاستحواذ بوضوح في الأفكار والأقوال، وحتى في النوايا المبيّتة، وهذا يعني وجود خلل أخلاقي مبدئي عرفي وقيمي، ينطلق من السلوك الفردي المعطوب، ليدخل في إطار نظام اجتماعي مهلهل ضعيف ومخترَق، وإذا لم يتنبّه القائمون المتصدرون لقيادة المجتمع لما يجري في البنية الثقافية السلوكية الأخلاقية للأفراد وللمجتمع، فإن ظاهرة الانحدار ستستمر، لهذا يجب أن نوقف هذا الانحدار بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة، وهي كثيرة ومتوافرة لو فتّشنا عنها ووضعناها في مواجهة حالة الانحدار نحو مستنقع التخلّف!.

مسلم عباس
العراق
مقال رائع كما عهدناك كاتبنا المميز علي حسين عبيد..
اتمنى لو تخصص مقالا جديدا حول سلوك المسؤول الحكومي في اطار كينونته كفرد ضمن المجتمع، ودور هذا (الفرد المسؤول) في بناء او هدم النظام الاجتماعي، لا سيما وان دور (المسؤول الفرد) اكثر قوة وتاثيرا من الفرد العادي.2019-07-24
انقر لاضافة تعليق