يتساءل كثيرون عن ماهيّة الإدارة وهل هي علم قائم بذاته، أم هي ثقافة يمتزج فيها الفكر مع الأداء الإداري المدروس مسبقاً، توصيفات وتفاسير عديدة قيلت في سبر أغوار العمل الإداري، فنجد مثلا فردريك تايلور Frederick Taylor يقول: إن الإدارة هي القيام بتحديد ما هو مطلوب عمله من العاملين بشكل صحيح ثم التأكد من أنهم يؤدون ما هو مطلوب منهم من أعمال بأفضل وأرخص الطرق.

ويرى رالف دافيز Ralph Davis: أنّ الإدارة هي عمل القيادة التنفيذية. ويقول جون مي Jone f.me: إنّ الإدارة هي فن الحصول على أقصى نتائج بأقل جهد حتى يمكن تحقيق أقصى سعادة لكل من صاحب العمل والعاملين مع تقديم أفضل خدمة للمجتمع.فيما يرى هنري فايول Henri Fayol: أن الإدرة تعني بالنسبة للمدير أن يتنبأ بالمستقبل ويخطط بناء عليه، وينظّم ويصدر التعليمات وينسق ويراقب.

وفق التفاسير أو التوصيفات التي جاءت في أعلاه فإن الإدارة هي عملية تحقيق الأهداف المرسومة بالاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وفق منهج مُحدّد، وضمن بيئة معينة والإدارة فرع من العلوم الاجتماعية، وهي أيضًا عملية التخطيط والتنظيم والتنسيق والتوجيه والرقابة على الموارد المادية والبشرية للوصول إلى أفضل النتائج بأقصر الطرق وأقل التكاليف المادية.

وتعتبر الإدارة من أهم الأنشطة الإنسانية في أي مجتمع، على أساس اختلاف مراحله، تطوره، وذلك لما للإدارة من تأثير علي حياة المجتمعات لارتباطها بالشؤون الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. ولأن الإدارة هي التي تقوم بجمع الموارد الاقتصادية وتوظيفها لكي نشبع بها حاجات الفرد والجماعة في المجتمع. فبالإدارة يصنع التقدم الاجتماعي، وعليها تعتمد الدول في تحقيق التقدم والرخاء لمواطنيها.

إلزام الإداري بحدٍ أدنى للثقافة

أورد المفكرون والعلماء المختصون الكثير من الملاحظات عن طبيعة الإدارة، وإشكاليات العمل الإداري، وحتى عن الصفات والمؤهلات التي يجب تواجدها في شخصية القائد أو الموظف أو الشخص الإداري، وكثير من هؤلاء ألزموا الإداري بحدٍ أدنى من الثقافة، وذهب بعضهم إلى استحالة نجاح الإداري إذا افتقد للثقافة في حدِّها الأدنى، بل ذهب بعضهم إلى أن الإداري غير المثقف سوف يكون عالة على وظيفته ودائرته ودولته أيضا.

فمن هو المثقف الإداري إذاً، وهل بالفعل عنصر الثقافة يشكل دعامة أساسية لنجاحه، أم هناك مبالغة في هذا الاشتراط، وليس هنالك علاقة بين ثقافة الإداري ونجاحه في إدارة المشاريع أو المؤسسات أو الدوائر الرسمية وسواها؟

ثقافة الإداري تعني في أبسط معانيها، أن يكون مطّلعا على المعارف والعلوم والآداب التي تساعده على تأدية أعماله الإدارية بدراية وحنكة ونجاح، ذلك أن الثقافة تشذّب شخصية الإنسان عموما، وتجعله صاحب رؤية واسعة وثاقبة، يرى ما لا يراه غير المثقفين أو العارفين، فإذا كان على الإنسان بوصفه العام أن يكون مثقفا، ما بالنا إذا تعلق الأمر بشخص يقود مؤسسة أو دائرة أو مشروع؟.

الكاتب جودت هوشيار يقول إن (الاعتقاد السائد في مجتمعنا أن المثقف هو كل من يحمل شهادة جامعية في تخصص معين أو من حاز على لقب علمي أو كل من يمارس نشاطا ذهنيا في حقل من حقول المعرفة، سواء أكان عالما او شاعرا او أديبا او فنانا. بيد أن هذا الاعتقاد ليس في محله تماما, ذلك أن الإنسان المتعلم قد لا يكون أنسانا مثقفا. وكان الناقد الانكليزي ت. س اليوت يعتقد "أن الكمال في أي واحدة من مناشط الثقافة لا يمكن أن يسبغ الثقافة على أحد, لان السلوك المهذب بدون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء إلى آلية مجردة, وأن العلم من دون سلوك مهذب إنما هو حذلقة, وأن القدرة الفكرية المجردة من الصفات الأكثر إنسانية لا تستحق الإعجاب إلا كما يستحقه ذكاء طفل معجزة في لعب الشطرنج, وأن الفنون بدون إطار فكري زيف وخواء).

هذا يدل دلالة مباشرة على أن جميع الناس بمختلف مستوياتهم وطبيعة مهامهم الإدارية أو سواها، مطالبون بتحصيل الثقافة والوعي في حدّه الأدنى، حتى يكون ذلك سانداً لقيادته ولمجريات العمليات الإدارية بمختلف أنواعها، وما يجعلنا على جانب كبير من التمسك بأهمية ثقافة الإداري، هو ما تعانيه وزاراتنا ومؤسساتنا ودوائرنا الرسمية من مشاكل معقدة وبعضها جسيم في انسيابية العملية الإدارية، وتلكؤها في الغالب، فالوزير الفلاني لأنه يتبع إلى الكتلة أو الحزب الفلاني، فإنه سوف يحصل على هذا حتى لو كانت ثقافته الإدارية أو العامة دون المستوى المطلوب، لذلك نجد أن الفشل سوف يلازم هكذا وزراء!.

حصص الأحزاب والكتل السياسية

لا يتوقف الأمر عند القمة أو أعلى الهرم كالوزراء، بل هناك الكثير من المدراء العامين يديرون مؤسسات ودوائر مهمة، لكنهم غير مثقفين، أو أنهم على الأقل يحملون ثقافة هشة لا توازي حساسية المناصب الإدارية التي يقفزون إليها بدوافع سياسية وفق مبدأ ما يسمى بـ (المحاصصة)، هذا بالنتيجة سينتهي إلى خلل وتلكّؤ وتباطؤ في الأداء الإداري الناجح، ومن ثم الفشل!.

تُرى ماذا يفعل الوزير أو المدير العام الفاشل كي يستر فشله الإداري للوزارة أو المؤسسة أو الدائرة؟، إننا نجزم بأنه سوف يلجأ إلى الاستعراض والإدّعاء الفارغ، وكثيرا ما نجد مقرّات الوزراء وغرف المدراء العامين على سبيل المثال مبالغ جدا في فخامتها، من حيث الأثاث، وحجم المكتب، وطبيعة الطلاء والمفروشات واللوحات ونوعية الكراسي الوثيرة، كأن الوزير أو المدير العام يحاول أن يغطي فشله في عمله الإداري بهذه المقرات الفخمة.

هذه الظاهرة – وهنالك غيرها أيضا- ما هي إلا صورة من صور تعويض الفشل الذي يعاني منه الإداريون غير المثقفين، فمن يفشل في إدارة وزارته أو مؤسسته بطريقة ناجحة، سوف يلجأ إلى الانجازات الشكلية، كي يُظهر للآخرين بأنه كفؤ وناجح إداريا في عمله الوزاري أو المؤسساتي، لكن الحقائق على الأرض تقول غير ذلك تماما!.

نحن في العراق بحاجة كبيرة للقائد الإداري والموظف الإداري المثقف والعارف بما هو مطلوب منه، وهذا لن يحدث ما لم يوضع الوزير المناسب في المكان المناسب، وفقا لتحصيله العلمي وخبراته ومؤهلاته الأخرى التي تدل على إنه مثقف وعارف بالمجال الإداري الذي يتصدى لهُ.

هذا الأمر سيقودنا مباشرة إلى اشتراطات غاية في الأهمية في المقدمة منها، أن تتفق الكتل والأحزاب السياسية المشارِكة في إدارة مؤسسات الدولة ووزاراتها ودوائرها المختلفة، على إبعاد مبدأ المحاصصة عن تسلّم مثل هذه المناصب الإدارية التي لا يمكن لغير الإداريين المثقفين النهوض بها، والخروج منها بنتائج تعود بالنفع الكبير على العراق والعراقيين.

انقر لاضافة تعليق