من الأزمات الاجتماعية التي تفاقمت في العراق، كثرة عدد النساء الأرامل فيه، حتى بلغت نسبة عالية ومخيفة، الأسباب معروفة للجميع، فسلسلة الحروب الخارجية، والقمع الداخلي، والإرهاب، والفتن بين المكونات إبان انتعاش الطائفية، كل هذا أدى إلى تزايد الأرامل وتعقيد المشكلة في ظل عشوائية الحلول أو انتفائها بشكل كبير وعدم النظر للأرامل تلك النظرة الجادة.

وفي مناسبة اليوم العالمي للأرامل (بالإنجليزية:International Widows Day)، لابد أن نضع النقاط على الحروف، وأن ندعو لمعالجة هذه الأزمة بصوت عال، فقد تم توثيق هذا اليوم من قبل الأمم المتحدة، وهو يوم عمل لمواجهة "الفقر والظلم الذي يتعرض له الملايين من الأرامل وعائلاتهم في العديد من البلدان" من بينها العراق، وقد تم تحديد 23 يونيو/ حزيران يوما عالميا للتذكير بمعاناة الأرامل وتشجيعهن، وإيجاد السبل الداعمة لتوفير حياة تليق بهذه الشريحة من النساء.

من الصعب تقدير الوضع والشعور الذي تعيشه الأرملة، بالأخص في ظل نظام سياسي متذبذب، ومجتمع تسوده نزعة (الأنا)، كما هو الحال في العراق اليوم، فمسألة فقدان الشريك هي مسألة مدمرة، ويتفاقم حجم تلك الخسارة للنساء في ظل كفاحهن الطويل لتأمين الاحتياجات الأساسية وحماية حقوقهن الإنسانية وكرامتهن. وربما حُرمت المرأة من حقها في الميراث في قطعة أرض اعتمدت عليها في كسب رزقها، أو قد تكون تعرضت للطرد من منزلها، وربما أُجبرت على زواج لا تريده أو مكابدة الترمل. وبالتالي فالأرامل يوصمن بصفات وألفاظ غير لطيفة مدى الحياة، وغالبا ما يتعرضن لممارسات النبذ، وفي معظم الأحيان تمرّ هكذا انتهاكات مرور الكرام حتى تغدو مألوفة، وهذا بحد ذاته يتسبب بمعاناة متراكمة تصل درجة الإذلال والتعدّي على كرامة المرأة وعائلتها.

الترمّل أزمة عراقية عالمية

على المستوى العالمي، (هناك ما يقدر زهاء 258 مليون أرملة في كل أنحاء العالم، ويعيش عشرهن في فقر مدقع. وللأرامل احتياجات محددة، إلا أن غياب أصواتهن ومعاناتهن عن واضعي السياسات غالبا ما يؤثر على معايشهن)، وهذا يعني أن ما يفوق 15 مليون أرملة مع عائلاتهن يعشن بين أنياب الفقر، يمزقهن الجوع والعوز والحرمان، وطالما أن هذه الشريحة تشكل في العراق نسبة كبيرة، فإن النظر إليها في إطار الحلول الاجتماعية الرسمية المناسبة، أمر لا يقبل التأجيل، ولا يصحّ مطلقا التعامل البطيء أو غير المخطط مع هذه المشكلة التي ترقى إلى حدود الأزمة الاجتماعية المزمنة.

من بين الحلول الداعمة للأرامل، تقديم المساعدة في الاندماج، والتطور خاصة ما يتعلق بتعلّم الوسائل المستجدة في عصرنا، كالبرمجيات الإلكترونية، والاستخدام الصحيح للتكنولوجيا بأشكالها المتنوعة، هذا سوف يساعد الأرملة وعائلتها على تجاوز عقدة الإقصاء المجتمعي، ومن الأهمية بمكان إتاحة المعلومات للأرامل بشأن ما يتصل بحصولهن على حقوقهن المشروعة في المواريث أو الأراضي والموارد الإنتاجية، يُضاف إليها المعاشات التقاعدية والحماية الاجتماعية التي لا تستند إلى الحالة الاجتماعية وحدها؛ والعمل الكريم والأجر المكافئ، وفرص التعليم والتدريب، كل ذلك سيعمل على تمكين الأرامل لإعالة أنفسهن وعائلاتهن، ولابد من معالجة الانتهاكات الاجتماعية التي تخلق ممارسات الإقصاء والنبذ للأرامل.

في العراق لا تزال تقبع هذه الأزمة كغيرها، في أسفل قائمة الأزمات الاجتماعية، لذلك من المهم أن تُرسَم الخطط العملية المتخصصة، والكفيلة بتقديم العون والحلول الناجعة التي تساعد الأرامل وتمنحهن التشجيع الكافي لتجاوز الواقع المؤلم، لذا يُعد اليوم العالمي للأرامل فرصة للعمل من أجل تحقيق الحقوق الكاملة والاعتراف بالأرامل اللواتي يُتجاهلْنَ من قبل الجهات الرسمية والمنظمات المختصة، ولا تزال هناك ندرة في البيانات الموثقة لهذه الأزمة، لاسيما في العراق، والتي لا يمكن الاعتماد عليها، وقد أصبحت أحد العقبات الرئيسية التي تحول دون وضع السياسات والبرامج التي تهدف إلى التصدي للفقر والعنف والتمييز الذي تعاني منه الأرامل، وهناك حاجة إلى مزيد من البحوث والإحصاءات مصنفة حسب الحالة الاجتماعية والجنس والعمر، من أجل المساعدة في الكشف عن حالات الانتهاك التي تعاني منها الأرامل وتوضيح حالتهم، ومن ثم أو اقتراح وتطبيق الخطوات التي من شأنها تقديم المعالجات المناسبة.

تشريعات ضامنة لحقوق الأرامل

هناك حاجة بالغة الأهمية، لتحديث التشريعات الخاصة بالنهوض بواقع الأرامل في العراق، كونه البلد الذي عانى كثيرا من مسببات الترمّل لأسباب سبق ذكرها، لذا ينبغي للحكومات أن تتخذ الإجراءات المناسبة للوفاء بالتزاماتها، بكفالة حقوق الأرامل المنصوص عليها في القانون الدولي الذي يتضمن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل، وحتى عندما توجد قوانين محلية لحماية حقوق الأرامل، فإن نقاط الضعف في النظم القضائية في كثير من الدول تمس كيفية الدفاع عن حقوق الأرامل والتي يجب معالجتها، ويمكن أن يؤدي قلة الوعي والتمييز من جانب الموظفين القضائيين إلى تجنب لجوء الأرامل إلى العدالة للحصول على تعويضات، وهذا الخوف والتوجس له ما يبرره في ظل قلة الوعي، ومنظومة الأعراف التي قد لا تسند المرأة الأرملة، ولا تساعدها في الحصول على الحقوق التي تكفل لها وأسرتها حياة كريمة.

من ناحية أخرى، هناك موجة العنف التي تتعرض لها الأرامل، وهو ما يؤدي إلى مضاعفة المعاناة، وتعدّد مصادرها وأشكالها، لذا ينبغي (تنفيذ برامج وسياسات لإنهاء العنف ضد الأرامل وأطفالهن، والتخفيف من وطأة الفقر، والتعليم، وغير ذلك من أشكال الدعم للأرامل من جميع الأعمار، بما في ذلك في سياق خطط العمل للتعجيل بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفي حالات ما بعد الصراع، ينبغي إشراك الأرامل في المشاركة الكاملة في عمليات بناء السلام والمصالحة، لضمان إسهامهن في تحقيق السلام والأمن المستدامين)، فدور المرأة الأرملة لا يقل عن الأخريات في تعضيد الوشائج الاجتماعية وترسيخ القيم النبيلة.

وهناك نافذة أخرى، يمكن النظر من خلالها لتقديم العون إلى هذه الشريحة، إذ (يجب تمكين الأرامل من خلال الحصول على الرعاية الصحية الكافية، والتعليم والعمل اللائق والمشاركة الكاملة في صنع القرار والحياة العامة، ولابد أن يعشن بعيدا عن العنف وسوء المعاملة، مما سيتيح لهن فرصة بناء حياة آمنة من بعد فقدانها، بسبب فقدان الشريك، والأهم من ذلك منهج إيجاد الفرص للأرامل الذي يمكن أن يساعد أيضا على حماية أطفالهن، وتجنب دورة الفقر والحرمان بين الأجيال)، بالتخطيط المنتظم والمهني، سنكون في العراق قادرين على التصدي لهذه الأزمة التي أُدرِجَت من بين الأزمات الشائكة والمزمنة، والمهم من كل ما تقدَّم، الخروج (الرسمي) من دائرة اللامبالاة في النظر إلى حياة الأرامل وما يتخلّلها من مآسٍ تعصف بالمجتمع كلّه!.

settar
العراق
يذكرني هذاا الاسم باليوم الذي اعلن فيه د حيدر العبادي من خلال لجنته النيابية صرف مبلغ 105 الف دينار شهريا للارامل والمطلقات وماقابله لاحقا من اجماع على صرف مبلغ750 الف دينار شهريا مخصصة فقط للقرطاسية لكل نائب !!!2019-06-28
انقر لاضافة تعليق