تمثل الحرية الحركة الغائية لوجود الإنسان والمجتمعات، فمع انتفائها ينتزع من وجود الإنسان جوهره الذي قامت عليه فلسفة خلقه وامتحانه، لذلك ينمو الإنسان والمجتمع ويتطور ويتكامل مع نسبة تعدد خياراته وقدراته في التفكير والإبداع والإنتاج، إذ مع قدرة الإنسان على الاختيار بين البدائل المختلفة ووعيه في سلوكه واستجاباته تتكامل فيه وتنضج قدراته العقلية والنفسية ويصبح مسيطراً على الظروف الخارجية التي تحكم حياته، ومتأقلماً مع التطورات التي يستطيع أن يراها بوضوح على حفريات الزمن وتحولات المكان.

التحديث يبدأ من تجديد قوى الإنسان الذاتية وإعادة بناء قدراته على تحقيق البدائل وفتح الطريق أمامه لإيجاد النضج الإنساني المتكامل في مسيرته التصاعدية، ولكن التحديث الذي يجري اليوم في مناطق كثيرة في العالم المتصاعد بوتيرة مذهلة، يبدو بنظرة ثاقبة مشوهاً لأنه يتناسى تحديث الإنسان وبناء حريته إلى تحديث الأشكال والمظاهر الخلابة، كيف لنا أن نزين بيتاً جميلاً ونحدّث مظهره الخارجي ولكنه في أسسه يعيش تآكلاً خطيراً قد يؤدي إلى انهياره بصورة مفاجئة..؟

وكيف يمكن أن نحدّث مجتمعاً في مظاهره وهو يعيش أزمة عدم القدرة على الاختيار وبالتالي عدم القدرة على التأقلم الواعي مع التحديث؟

هذا التناقض بين الإنسان كشكل متطور في مظهره وبينه ككائن غير مدرك وغير واعي لحقيقة التطور الواقع فيه سيؤدي إلى غرقه يوماً في التطورات المتلاطمة لأنه لا يعرف السباحة في بحر العصر والزمن.

هناك ثلاثة معوقات أساسية تقف أمام التحديث البنيوي الذي يهدف إلى بناء حرية الفرد والمجتمع:

التنفس بالاستبداد والخوف

1- إن القرون المديدة التي توالت على الأمة كانت عصوراً تعبق بالاستبداد والاستعباد لم يذق فيها الناس طعم الحرية، فقد كبس عليهم توالي الزمن الميت حتى خنقهم من نسيم الإبداع والإنتاج والوعي حتى أصبح التنفس بالاختناق أمراً طبيعياً، لقد تعود الناس على طعم الدكتاتورية؛ وبالتالي فإن الحرية أمر يصعب تحقيقه في نفوس بشرية قد تشربت بالاستبداد، وهذا يعني عدم وجود التفاعل مع دواعي التحديث والإصلاح لأن التراكمات الماضية قد حولت الفرد إلى كائن مستعبد متوتر بالخوف يعيش الانعزال ويقتات بالطاعة المطلقة فلم يبق له وجود حقيقي يذكر.

إن حركة المجتمع الفاعلة تعتمد أساساً على وجود الإنسان المفكر المبادر للفعل والتأثير لينتج ويبدع، ومع توقف هذا الإنسان وجموده تتوقف عجلة الحياة والنمو والتكامل، وقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً).

وفي الآية القرآنية: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) دلالة حكيمة على أن حركة التغيير والتحديث تنطلق عبر إيجاد الوعي الإنساني بحريته ورفع المعوقات النفسية التي تقيده وتأسره.

الفرد جزء من المجتمع ومع إحساسه بالحرية وشعوره الذاتي بالقدرة والإبداع والإنتاج يتحول إلى كائن حيوي مفعم بالنشاط والحركة فينمو بشكل طبيعي وإيجابي.

التخندق ضد التحديث

2- إن المؤسسات التي تستوعب المجتمع بكافة نشاطاته هي مؤسسات قد تحولت إلى ركام محطم لا يستطيع أن يدخل إلى العصر الحديث وينسجم معه. لأنها تفتقد بشكل أولي إلى المشاركة العامة وتدار بشكل فوقي وتتسلط عليها الفردية إضافة إلى أنها تفتقد الأسس البنيوية، وتسير باتجاه نمطي يفتقد للتنوع والتعدد الذي يعطيها أبعاداً خلاقة في كفاءتها وقدراتها الإنتاجية.

هذه المؤسسات القديمة المترهلة قد أصبحت عبئاً ثقيلاً يقف أمام حركة التحديث والإصلاح، لذلك فإن التحديث الشكلي لهذه المؤسسات، وإصلاح ظاهرها، سوف يجذّر من أزماتها البنيوية ويراكم من مشكلاتها وسلبياتها، خصوصاً عندما تتحول إلى خنادق متحصنة ضد التحديث الحقيقي الذي يهدد مصالحها.

إن حركة التحديث الفعالة تبدأ عبر إعادة بناء المؤسسات بكافة أشكالها وتحويلها إلى مؤسسات تعتمد بشكل أساسي على:

* المشاركة الشعبية بالمعنى الحقيقي للمشاركة، بأن يصبح الفرد جزءاً فاعلاً من حركة القرار والفعل والتأثير؛ وذلك عبر تعميق مفهوم الشورى، وتعميم مبدأ رأي الأكثرية، وحرية التعبير، وحماية الحقوق الأساسية.

* ترسيخ مبدأ التعددية، كمبدأ ومنطلق لتنافس الكفاءات، من أجل رفد المؤسسات بالوجود الحقيقي الفاعل بالطاقات المؤهلة، خصوصاً عندما تصبح كفاءة الفرد وإنتاجيته المحك الرئيسي للتفاضل (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ).

* الإدارة بالتفويض يمكن أن يكون لها دور كبير في تحريك عملية الإصلاح بصورة منطقية ولا يعني هذا التفويض من القاعدة إلى القمة، بل على العكس من ذلك من القمة إلى القاعدة، ذلك لأن وجود التفويض المطلق من القاعدة إلى القمة قد حول المحكومين إلى مجموعة موصى عليهم قد حجر على عقولهم وأموالهم في أغلب الأحيان، وحول الحاكم إلى قدرة مطلقة وحيدة، وهذا بالنتيجة يعني عدم قدرته على التحديث، لأن التحديث يحتاج إلى التعاون الجمعي الفعال، أي أن التفويض من القمة إلى القاعدة (اللامركزية) سوف يحول التحديث من حركة فردية إلى حركة جماعية متكاتفة تعتمد على المبادرات الذاتية وتعطي للأفراد زخماً كبيراً في تحمل المسؤولية وأداءها.

القابلية للاستعباد

3- تؤدي الدول الاستعمارية دوراً كبيراً في عرقلة التحديث والإصلاح، لأن الإصلاح سوف يؤدي إلى تهديد مصالحها السياسية والاقتصادية؛ إذ يحول البلاد من مجتمعات تابعة مستهلكة لما ينتجه الغرب إلى مجتمعات منتجة تعتمد على الاكتفاء الذاتي. لذلك تحاول أن تدعم الأنظمة المستبدة وتعرقل حركة التحديث التي تهدف إلى بناء أسس بنيوية قائمة على الحرية.

ولكن لا يمكن لهذه القوى أن تكون معوقاً ما لم توجد قابليات متعددة للقبول بالاستعباد والاستعمار والتبعية، وما لم تكن هناك مؤسسات مهترئة قد سحقها الزمن - إذا كانت هناك مؤسسات - إذ إن بعض البلدان لا تملك مؤسسات أصلاً.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 55- ذو الحـــجـــــــة1421هـ/آذار2001م
تحت عنوان: قضايا الإصلاح والتحديث.. الحرية والحوار

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
هناك صراع دائم بين الشكل والمضمون
والعالم في معظمه بحداثة الشكل مجنون
وقد وصل الغرب الى مراحل الإنحلال الكامل واصبح في أتون
الذكور يتزوجون الذكور والإناث يتزوجن اناثا بشكل فاجر يطل من العيون
أما تخلفنا فهو مرحلة مؤقتة سببها الإستعمار الذي نهبنا ودمرنا ومازال يتآمر علينا ليجعل طموحنا دائماداخل السجون
لكننا في المستقبل القريب بإذن رب العالمين سنقهر كل هذه الشجون
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات.....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-02-12
انقر لاضافة تعليق