يوم 23 – 24 ذي الحجة سنة 9 هـ جرت حادثة وحديث المباهلة مع النَّصارى

مقدمة عقدية

في التاريخ الإسلامي قامات شامخة، وأعلام هداية عامة، ومنارات للأجيال، وهم الذين خلقهم الله على عينه، واصطنعهم لنفسه، وغذاهم بعلمه، وأيدهم بوحيه، وجعلهم حججه على خلقه، وهم في الحقيقة والواقع ليسوا للمسلمين فقط بل هم للبشرية جمعاء، وللإنسانية كلها أعلام وقدوات، هم أهل الدِّين والعقيدة، وعندهم علم الكتاب، ولديهم فصل الخطاب، فمَنْ هم؟ هم أهل البيت الأطهار، وعترة الرسول المصطفى المختار (ص).

أهل البيت الأطهار (ع)

ولكن هذه الأمة المرحومة بهم لم تعلم ما عندها، ولم تدرك عظمة هؤلاء الأطهار الأبرار وحجج الجبار عليهم، فراحوا يقيسونهم بغيرهم وهم المقياس للناس ولا يُقاس بهم أحد من الخلق لأنهم أولياء النِّعم، وقادة الأمم، وسادة الأمة وأئمتها الذين أوجب الله طاعتهم، وهذا ما أدركه العرب في بداية الدَّعوة بفطرتهم، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِإِبْلِيسَ: (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعٰالِينَ)، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ اَلَّذِينَ هُمْ أَعْلَى مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ؟

فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَاَلْحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ؛ كُنَّا فِي سُرَادِقِ اَلْعَرْشِ نُسَبِّحُ اَللَّهَ فَسَبَّحَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ بِتَسْبِيحِنَا، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَلَمَّا خَلَقَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ أَمَرَ اَلْمَلاَئِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ إِلاَّ لِأَجْلِنَا فَسَجَدَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَسْجُدَ فَقَالَ لَهُ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (يٰا إِبْلِيسُ مٰا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعٰالِينَ)؟ أَيْ مِنْ هَؤُلاَءِ اَلْخَمْسَةِ اَلْمَكْتُوبَةِ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سُرَادِقِ اَلْعَرْشِ، فَنَحْنُ بَابُ اَللَّهِ اَلَّذِي يُؤْتَى مِنْهُ بِنَا يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ، فَمَنْ أَحَبَّنَا أَحَبَّهُ اَللَّهُ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَمَنْ أَبْغَضَنَا أَبْغَضَهُ اَللَّهُ وَأَسْكَنَهُ نَارَهُ وَلاَ يُحِبُّنَا إِلاَّ مَنْ طَابَ مَوْلِدُهُ). (تأويل الآيات الظاهرة: ج۱ ص4۹۷)

فهؤلاء الكرام بل أكرم الخلق على الخالق سبحانه، هم أهل البيت الأطهار الذين أنزل الله فيهم سورة الإنسان، وآية التطهير، وأمر الأمة بطاعتهم، واتباعهم وعدم التقدُّم عليهم ولا التأخُّر عنهم لأنهم: (مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي أُمَّتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِهِ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَرَكَهَا غَرِقَ، وَمَثَلِ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ). (بحار الأنوار ج۲۳ ص۱۱۹)

فهم أهل الصفوة والطهارة، والذي اختارهم الله على علم واجتباهم وأنزل عليهم كتابه الحكيم ليكونوا تراجمة الكتاب، في التنزيل والتأويل، فطاعتهم واجبة وهي كطاعة الله سبحانه، وولايتهم من أصول الدِّين الحق، بل من أصول الوجود وقيامه لأنه لولاهم لم يخلق الله الخلق، ولولاهم لم يبقَ الخلق لحظة واحدة، (فلولا الحجة منهم لساخت الأرض بأهلها).

عظمة المباهلة وحديثها

المباهلة؛ هي الملاعنة، والدعاء وطلب نزول العذاب على المبطل بين المتباهلَين، وهي حادثة مشهودة وعظيمة جداً جرت في آخر أيام رسول الله (ص) في هذه الحياة، حيث قامت دولته العظيمة وثبتت أركانها، والدِّين توطَّد في الجزيرة العربية وراح يتمدد بكل اتجاه والكفر والشرك يتقهقر أمامه، وجحافل الظلام تنسحب وأشعة النور تنبسط، لأن صبح البشرية قد تنفس بولادة فجر جديد، لا عهد لهم بمثله من قبل، دين عظيم يبني دولة ويُنشئ حضارة ترفع من شأن الإنسان، وتطلقه حراً طليقاً، وتهدم أساس الظلم والجور أينما حل في بني البشر، ولذا راح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً لأنه دين الفطرة والعقل.

ولم يبقَ في الجزيرة العربية إلا النصارى وهم أهل كتاب عظيم أنزله الله على رسوله المسيح عيسى بن مريم (ع) قبل أن يرفعه إليه، وهؤلاء في الحقيقة لو أنصفوا لكانوا شركاء في بناء الحضارة الإنسانية الراقية، ولكن رهبانهم وعلماءهم آثروا الحياة الدنيا والمكاسب الشخصية على أن يقولوا الحق، ويذعنوا لرسول الله (ص) وينضموا تحت رايته ويكونوا معه يداً بيد على نشر دين الله ورفع راية الهدى في أرجاء المعمورة، وهذا ما سيجري في آخر الزمان من قبل السيد المسيح (ع) شخصياً عندما ينزل ويُناصر الإمام المهدي (عج) في نهضته الكونية ودولته العالمية ليكون شاهداً على صدق هذه الرسالة، وحجة على أمته وشعبه ممَّن يدَّعون حبه واتباعه، ولكن سيجدون أنه من أتباع الإمام المهدي (عج).

لأجل هذه النقطة، وهذه النكتة الدقيقة لم يعاملهم رسول الله (ص) كما عامل غيرهم من أهل الكتاب في شبه الجزيرة العربية حيث أجلاهم عنها وإلى الأبد، والرواية التاريخية تشرح لنا الظروف التي جرت فيها حادثة وحديث المباهلة التي يشرحها الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في كتابه: (لأول مرة في تاريخ العالم)، ونُلخِّصها في هذا المقال ليعلم الجميع من هذه الأمة وغيرها أننا على الحق، وأن حادثة المباهلة لم تكن إلا بأهل البيت الأطهار (ع) لا كما ظن باطلاً بعضهم من مقعدي الفكر والعقيدة وقليلي الإيمان كما سيظهر جلياً أن ذلك الوفد من النصارى كانوا أعلم وأفقه منهم في دين الله تعالى.

يقول سماحة السيد الراحل: (إنما تحرك وفد نصارى نجران إلى المدينة لأنّ رسول الله (ص) كتب إلى أهل نجران: (باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام).

فلما أتى إلى الأُسقف الكتاب فقرأه قطع به وذُعر ذُعراً شديداً، فبعث به إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من أهل همدان، ولم يكن أحد يُدعَى إذا نزلت معضلة قبله، لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب، فدفع إليه الأُسقف كتاب رسول الله (ص) فقرأه.. فقال الأُسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟

فقال شرحبيل: قد علمتَ ما وعد الله إبراهيم في ذريّة إسماعيل من النبوّة، رأيي لو كان من أمر الدنيا أشرت عليك فيه برأي وجهدت لك فيه).

وهكذا استشار الثاني والثالث والكل يُجيب بهذا النحو لأنهم كانوا على علم بأوصاف النبي العربي (ص) الذي أشار إليه السيد المسيح (ع) ووصفه الإنجيل الذي يقرؤونه، وتأكدوا أنه هو النبي الموعود من أبناء إسماعيل (ع) حيث مبعثه في فاران مكة، وهجرته إلى يثرب، ودولته ستبلغ منتهى الخفِّ والحافر، وأن الرُّعب يسير أمامه، ولن تستطيع قوة في العالم أن تقف بوجهه لأنه رسول الله الخاتم (ص).

واجتمع أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية ومائة وعشرون ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله (ص) وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن قيس الحارثي فيأتونهم بخبر رسول الله (ص).

وقَدِمَ نصارى نجران المدينة ووفدوا على رسول الله (ص) وهم ستّون راكباً، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر يؤوّل إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة ابن علقمة أخو بكر بن وائل أُسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان قد شرُف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه، وموّلوه، وخدموه، وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.

ومن عجائب القدر التي راحت تظهر أنه قيل: (فلما توجهوا إلى رسول الله (ص) من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له متوجّهاً إلى رسول الله (ص)، وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد (ويقصد به رسول الله (ص).

فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست.. فقال: ولمَ يا أخي؟

قال: والله إنه للنبيّ الأُميّ الذي ينتظرونه.. فقال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟

فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا، وموّلونا، وكرَّمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلتُ نزعوا عنَّا كل ما ترى، (فحب الدنيا والجاه والمال والمكانة التي هو فيها صدَّه عن أن يقر ويعترف بالنبي الأمي (ص) علماً أنه عربي صميم ولكن ما فعل به الروم هو الذي منعه) ولذا قالوا: فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.

فلما وصلوا وحضرت صلاتهم قرعوا الناقوس في المسجد وصلوا ولما فرغوا دنوا من رسول الله (ص) وقالوا: إلى ما تدعو (يا أبا القاسم)؟

قال (ص): (إلى شهادة أن لا إله إلا الله، واني رسول الله، وانّ عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث).. قالوا: فمَنْ أبوه؟

فنزل الوحي على رسول الله (ص) فقال: قل لهم: ما تقولون في آدم؟ أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب، ويُحدث، وينكح؟ فسألهم رسول الله (ص) ذلك.. فقالوا: نعم.

فقال: مَنْ أبوه؟. فبُهتوا وبقوا ساكتين لا يحيرون جواباً)، فهم أهل كتاب، ورسالة، ودين، ولديهم علم يقين بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانوا يظنون أنهم على شيء من الحجة والبرهان بأن عيسى ليس له أب، فجاءهم ما هو أعظم منه بأن آدم (ع) ليس له أب ولا أم حتى ولم يدَّع أحد له ما يدَّعون بعيسى المسيح، فلم يبقَ أمامهم إلا الخضوع ولكن هيهات لهم ذلك، ورسول الله (ص) يريد لهم الهداية لأنه يعلم بأنهم شركاء في آخر الزمان في دولته المنتظرة، لتحقيق حلم الأنبياء والمرسلين بدولة الحق والعدل في آخر الزمان.

فجاء الوحي من السماء حيث أنزل الله القول الفصل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (آل عمران: 61)

يقول الإمام الراحل معلقاً هنا: (من الواضح أنه لا يتجرّأ أحد على أن يدعو أحداً للمباهلة إلاّ وهو على يقين من حقانيته، ولذلك لما دعا رسول الله (ص) نصارى نجران للمباهلة، وتواعدوا لها، أُوجسوا في أنفسهم خيفة.. فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم: السيد، والعاقب، والأهتم: إنه لو لم يكن نبياً حقاً لما دعانا إلى المباهلة، ثم جعلوا لذلك علامة وقالوا: إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنه ليس بنبيّ، وإن باهلنا بأهل بيته خاصَّة فلا نباهله، فإنه لا يقدم على أهل بيته إلا وهو صادق).

هذا كان يعلمه علماء النصارى في ذلك اليوم والعجيب أن بعض علماء المسلمين بعد أربعة عشر قرناً لم يصل علمه إلى هذه الحقيقة، فيقول: "لو أن رسول الله (ص) باهلهم بأصحابه لفاز وفلج"، عجيب حقاً هذا الجهل لم يصل حتى لأهل الجاهلية من أولئك لأن مَنْ عبد الأصنام ردحاً من الزمن لا يفلج والله ورسوله أعلم بما عندهم.

إجراء المباهلة وتراجع النصارى

قالوا: (فلما أصبح الصباح من اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجّة من السنة التاسعة للهجرة النبوية المباركة خرج نصارى نجران إلى موعدهم، وخرج رسول الله (ص) آخذاً بيد علي (ع)، والحسن والحسين (ع) بين يديه، وفاطمة (ع) تتبعه، وهو (ص) يقول: هؤلاء أبناؤنا: الحسن والحسين، وهذه نساؤنا: فاطمة(ع) وهذا أنفسنا: عليٌّ.

وقد سأل النصارى عنهم وقالوا: مَنْ هؤلاء؟

فقيل لهم: هذا ابن عمِّه، ووصيّه، وختنه علي بن أبي طالب (ع)، وهذه ابنته فاطمة (ع)، وهذان ابناه الحسن والحسين (ع).. وتقدّم رسول الله (ص) بهم فجثا لركبتيه وجعل علياً (ع) بين يديه، وفاطمة بين كتفيه، والحسن (ع) عن يمينه، والحسين (ع) عن يساره وقال (ص): إذا دعوتُ فأمِّنوا، ورفع كفّه إلى السماء وفرَّج بين أصابعه ودعاهم إلى المباهلة.

فلما رأى ذلك اُسقفهم عبد المسيح بن نونان قال: جثا والله محمد كما تجثوا الأنبياء للمباهلة، واني أرى وجوهاً لو دعت الله سبحانه لاستجاب، أو (لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة).

وقال شرحبيل: إن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعنّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك.. فقال له صاحباه: فما الرأي؟

فقال: رأيي أن أحكِّمه، فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً.

فتآمروا فيما بينهم، وقالوا: والله إنه لنبيّ، ولئن باهلنا ليستجيبنّ الله له فيهلكنا، ولا ينجينا شيء منه إلا أن نستقيله، فأقبلوا وقالوا لرسول الله (ص): نعطيك الرِّضا فاعفنا عن المباهلة وأقلنا).

ثم صالحوا رسول الله (ص) وكتب لهم وثيقة العهد والجزية بالتفصيل، ثم قال لهم رسول الله (ص): (أما والذي بعثني بالحق لو باهلتكم بمن معي من أهل بيتي ما ترك الله على ظهر الأرض نصرانياً إلا أهلكه، ولأضرم الله عليكم الوادي ناراً تأجج، ثم ساقها إلى من وراءكم في أسرع من طرفة العين فحرّقتهم تأجّجاً).

فهبط عليه (ص) جبرئيل وقال له: (إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني، لو باهلت بهؤلاء الذين معك من أهل بيتك أهلَ السماء وأهل الأرض لتساقطت عليهم السماء كسفاً متهافتة، ولتقطّعت الأرضون زبراً سايحة، فلم تستقر عليها بعد ذلك).

عندها رفع رسول الله (ص) يديه إلى السماء وعيناه ترمقان إلى علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: (على مَنْ ظلمكم حقكم، وبخسني الأجر الذي افترضه الله عليهم فيكم؛ بهلة (لعنة) الله تتابع إلى يوم القيامة). (لأول مرة في تاريخ العالم؛ السيد محمد الشيرازي: ص120 وما بعدها بتصرف)

المباهلة بأهل البيت خاصَّة

وللأسف أن هذه الأمة إلى اليوم لم تفقه القرآن الكريم، ولم تفهم قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: 4)، ولا قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (الحاقة: 46)، لأنها لو فهمتها لعلمت أن رسول الله (ص) لا يتنفس، ولا يتكلم، ولا يفعل، ولا أي شيء من تلقاء نفسه، بل بوحي من ربه سبحانه وتعالى، ليكون قدوة ومثالاً وأسوة لبني البشر، وهم ينظرون إليه حتى أقل من الصحابة لأنهم يعتقدون أن الصحابة معصومين جميعاً وأنهم أعلم منه بأمور دنياهم، كما يروون عنه كذباً وزوراً وبهتاناً، فهل جاءهم من القمر، أو نزل من السماء حتى يكونوا أعلم منه بشؤون الدنيا؟ أو كان فتى صغيراً وشاباً لم تضرِّسه الأيام، وتحنِّكه التَّجارب، وقد بلغ فوق الستين من عمره الشريف؟

قطعاً ويقيناً لم يكونوا كذلك وحاشا وكلا أن يكون رسول الله (ص) كما يصفونه، ويدَّعونه بل هو كما وصفه الله سبحانه، فعندما نزل الأمر بالمباهلة نزل بمَنْ يُباهِل ولو كان الأمر بالمباهلة بالأصحاب كما يدَّعي بعضهم لأطاع رسول الله (ص)، ولكن لا يمكن أن يُباهل الله ورسوله بأهل المعاصي والذنوب والشرك وعبدة الأصنام، بل لا بدَّ أن يكون المباهَل بهم هم أهل الطهارة والنزاهة والصفاء والنقاء الذين ما عصوا الله طرفة عين أبداً، وهم أهل بيت النبوة خاصة، دون غيرهم من العالمين، فأهل البيت لا يُقاس بهم أحد لأنهم هم المقياس الذي يُقاس به الناس.

والحقيقة أن مشكلة هذه الأمة كانت ومازالت وستبقى بأمير المؤمنين الإمام علي (ع) الذي جعله الله تعالى في هذه الآية الكريمة نفس رسول الله (ص) أي أنه أعظم وأكرم خلق الله بعد رسوله (ص)، فكبرت عليهم وأرادوا أن يُنكروها كما أنكروا كل فضيلة، أو شوَّهوا كل منقبة له – روحي فداه – وهذا ما اعترف به عبد الله المأمون في حواره مع الإمام علي بن موسى الرضا (ع) حِينَ قَالَ اَلْمَأْمُونُ لَهُ يَوْماً (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَخْبِرْنِي بِأَكْبَرِ فَضِيلَةٍ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَدُلُّ عَلَيْهَا اَلْقُرْآنُ.

قَالَ فَقَالَ لَهُ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): فَضِيلَتُهُ فِي اَلْمُبَاهَلَةِ، قَالَ اَللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَأَبْنٰاءَكُمْ وَنِسٰاءَنٰا وَنِسٰاءَكُمْ وَأَنْفُسَنٰا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ)، فَدَعَا رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) اَلْحَسَنَ وَاَلْحُسَيْنَ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ) فَكَانَا اِبْنَيْهِ، وَدَعَا فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ) فَكَانَتْ فِي هَذَا اَلْمَوْضِعِ نِسَاءَهُ، وَدَعَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَكَانَ نَفْسَهُ بِحُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ أَجَلَّ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَأَفْضَلَ فَوَجَبَ أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْ نَفْسِ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِحُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). (بحار الأنوار: ج۱۰ ص۳۵۰)

فالمباهلة هي بالمفاضلة بين الحق والباطل، والمفاصلة بين الخير والشر، وأراد الله سبحانه وتعالى ورسوله أن يقول لأهل العالم بمباهلته للنصارى: أنكم بهؤلاء الكرام الذين هم أهل بيتي، وعترتي، وحامَّتي، وخاصتي، تنتصرون في حياتكم، فلا تتقدموهم فتهلكوا ولا تتأخروا عنهم فتضلوا، واقتدوا بهم تهتدوا، وتنتصروا، وتُفلحوا، وتنجحوا على أنفسكم وأعدائكم في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر.

فهل وصلتنا رسالة المباهلة بأهل البيت الأطهار (ع) خاصَّة دون غيرهم؟

اضف تعليق