يُجمع المؤرخون على أن مجالس الإمام جعفر بن محمد الصادق (صلوات الله عليه) كانت مدرسة شاملة لعلوم القرآن، والفقه، والعقائد، والأصول، والفلسفة، بل وحتى الكيمياء والطب وعلم الحساب وعلم الفلك وغيرها من العلوم، وتمكنت الأمة من الاستفادة النسبية من علوم الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد أنشأ الإمام (عليه السلام) جامعة إسلامية كبرى تتلمذ فيها - على يديه (عليه السلام) - من الرجال عشرون ألفاً، وكان الثقاة من بينهم أربعة آلاف.

يقول الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي (قده): "كان بلاء للأمة بأسرها، أن يُحاصر الإمام ويُراقب ويُوضع تحت أعين السلاطين الجائرين، كي لا ينشر علومه ويكمل رسالة آبائه وأجداده، وهي رسالة السماء، ولكن مع كل ذلك الحصار والرقابة والقتل، والحرق لأغلب روايات أهل البيت عليهم السلام، وصل إلينا من الإمام الصادق (عليه السلام) ما ملأ المغارب والمشارق وما ملأ الخافقين، على الرغم من الضغوط السياسية الغاشمة التي مارسها الأمويون والعباسيون والتي أرادت أن تحول بين علوم آل محمد عليهم السلام وبين وصولها إلى المسلمين فخابت مساعيهم".

وقد حظي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، بكم عظيم من تصنيف الكتب والرسائل، في سيرته ومنجزه العلمي، وتحرير الرسائل العلمية في تراثه وأدواره، وكتابة المقالات والموضوعات الفكرية عنه، فضلاً عن البحث والدراسة المنهجية الرصينة والمعمقة، بمثل ما أفردت المكتبة الإسلامية والتراث العلمي الإسلامي، لشخصية الإمام الصادق، المثيرة للاهتمام والانتباه الواعي، والذي يتواصل في الزمن المعاصر أيضاً، من قبل الكثير من الأكاديميين والأساتذة الجامعيين.

مع ذلك، فإن من سبل التعريف بالإمام الصادق (عليه السلام)، هي الاطلاع على علومه، إن لم يكن أكثرها آثاراً وأسرعها تأثيراً، تلك العلوم التي قدمها الإمام إلى البشرية، قبل أكثر من ألف عام، وقد أقّر بها علماء كبار من الغرب.

في آيار/ مايو من العام 1968، نظّم مركز الدراسات العليا المتخصصة في تاريخ الأديان، التابع لجامعة (استراسبورغ)، وهي جامعات أوربية عريقة، نظّم دورة علمية حول الشيعة الإمامية وتاريخها العلمي والحضاري، وحول حياة الإمام الصادق (عليه السلام)، على وجه الخصوص، وقد دعت الجامعة أساتذة جامعات وعلماء استشراق من أميركا وفرنسا وبريطانيا وسويسرا وبلجيكا وإيطاليا، ومن دول عربية وإسلامية.

وقد نشرت (دار المطبوعات الجامعية الفرنسية) أبحاث الدورة العلمية تلك، في كتاب (باللغة الفرنسية) بعنوان (الإمام الصادق في نظر علماء الغرب)، وذلك في العام 1970، ونقله الى العربية (د. نور الدين آل عليّ – أكاديمي من جامعة السوربون).

بمطالعة هذا الكتاب يمكن ملاحظة الريادة والتفرد العلمي للإمام الصادق(ع)، فقد وقف علماء الغرب، الواحد والعشرون، مذهولين أمام نبوغ وعبقرية الإمام الصادق (عليه السلام) في البعد العلمي.

ومثال على ذلك، مسألة العناصر البسيطة وكيف أن علماء الغرب كانوا يعتقدون بها "خطأ"، لكنهم بعد اطلاعهم على نظرية الإمام الصادق (عليه السلام)، اعترفوا بأن الهواء مُركّب وليس عنصراً بسيطاً، وهو ما قاله الإمام، قبل أكثر من ألف عام.

وأيضاً نظرياته حول حركة الشمس، وأشعة النجوم، وانتقال الأمراض بالضوء، وإرضاع الوليد من الجانب الأيسر، واكتشاف الأوكسجين، وحركة الأجسام من حولنا حتى الجمادات، وغيرها من النظريات.

وجدير بالمؤمنين والمؤمنات، وخاصة الأكاديميين والمثقفين والمبلغين والطلاب، الاطلاع على آراء العلماء (الواحد والعشرين)، من خلال قراءة كتاب (الإمام الصادق في نظر علماء الغرب)، لمخاطبة البشرية بلغة العلوم، وهذه اللغة جامعة للبشرية جمعاء.

الكتاب مهم وممتع، وقد وصفه معظم من اطلع عليه بأنه قد أثرى ثقافتهم العامة أكثر من كتب المدرسة، وأشار قرّاء إلى أنه بعد اطلاعهم على الكتاب تعلقواً - حباً ومودة - بشخصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، بل تمنوا لو كانوا في عصر الإمام ونهلوا من علمه.

ما كتبه العلماء في هذا الكتاب، ليس هدفه التعريف بالإمام الصادق كحفيد الرسول الأعظم أو إمام مذهب الحق، بل كعالِم فذّ، وأستاذ عظيم، ومُربٍّ جليل، وبالتالي فإنه كتاب علمي، وجدير بالجميع الاطلاع عليه.

وقد يتوقع بعض إنه يتمحور حول حياة الإمام الصادق (عليه السلام) فقط، وفي الحقيقة أن الكتاب يضم مناقشة نظريات الإمام الصادق (عليه السلام) ومقارنتها بنظريات العلماء والفلاسفة (القدماء والمعاصرين)، وقد فندت نظريات كانت مسلّمٌ بها، وأثبت العلم الحديث صحة كل ما قاله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

اضف تعليق