عندما أقلب صفحات التاريخ بحثاً عن التجارب والعبر في سيرة الأئمة المعصومين، وطريقة تعاملهم مع الاوضاع السياسية، يستحضرني على الفور وصية راقية من المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي في إحدى مؤلفاته بأن "لا تقاتل عدوك بسلاحه"، إنما الذكاء في التميّز بنوع خاص من السلاح يجهله الخصم، وهذا ما جرت عليه سيرة الأئمة الاطهار، به حققوا انتصاراتهم الباهرة على خصوم امتلكوا ملايين الدنانير والدراهم، والسلاح والافراد، وحتى الصبغة الشرعية من لدن أدعياء الدين، والامام الصادق، الذي تمر علينا هذه الايام ذكرى استشهاده، حقق في حياته أعظم الانتصارات أمام السلطة العباسية، وشخص الحاكم أبوجعفر المنصور الذي لم يمرّ يوماً عليه إلا ويعقد العزم على قتل الإمام الصادق بيده، ولكن عوامل حاسمة -ربما نشير اليها- كانت تحول دون تحقيق مُنيته.

فرصة نشر العلم

خلف الامام الصادق أباه الامام موسى الكاظم، عليهما السلام، وهو ابن اثني وثلاثين عاماً فيها تولّى مهام الإمامة وهو في مدينة جدّه رسول الله، صلى الله عليه وآله، ومن ساعتها انطلق، عليه السلام، مستثمراً الفرصة السانحة لنشر العلوم والمعارف الإلهية في وقت كانت الساحة السياسية تغلي بالصراعات على الحكم، وقد عاصر المرحلة الانتقالية من الحكم الأموي الى الحكم العباسي، وفي مقال سابق عن سيرة حياة الامام الصادق، أشرنا الى أن الامام الصادق توجه الى بناء الجامعة بدلاً من التوجه الى قصر الحكم كما فعل غيره.

لم تكن للإمام بناية خاصة للتدريس واستقبال طلبة العلوم الدينية كما هو الحال اليوم، حيث الأبنية الراقية بامكانيات وفيرة تحمل عناوين: الحوزة، او المدرسة، إنما كان بيته، عليه السلام، محل استقطاب طلبة العلم، وايضاً؛ الحرم النبوي الشريف، كما أشار الى هذا؛ السيد كاظم القزويني في مؤلفه القيّم؛ الامام الصادق من المهد الى اللحد، وجاء فيه أيضاً: "قام السفاح والمنصور الدوانيقي –من حيث لا يشعران- بخدمة كبيرة للامام الصادق والإمامة والتشيع، وذلك بسبب جلب الامام من المدينة المنورة الى العراق (الحيرة والكوفة) مرات عديدة، فقد كانت للامام الصادق شعبية عظيمة عند اهل العراق، وبالأخص في مدينة الكوفة ذا التاريخ الطويل، ولولا جلب الامام الى هاتين البلدتين لما كان الامام يتجشم وعثاء الطريق وصعوبة السفر اليهما بصورة مكررة".

وربما يكون الامام الصادق أول من يتم استدعاءه الى مركز الحكم ليكون تحت المراقبة، والتزم بهذه السنّة السيئة سائر الحكام العباسيون باستدعاء الأئمة المعصومين حتى الامام الحسن العسكري، عليهم السلام، وقد خيّب الامام الصادق ظن العباسيين من أنه يجهّز من خلفهم لعمل عسكري لسحب البساط من تحت اقدامهم، بينما الذي فعله أعظم من هذا بكثير، فقد سحب البساط ليس من تحت العباسيين، وهم نفرٌ قليل محكمون بفترة زمنية ثم يطويهم الزمن، وإنما من تحت كل مدعي للحكم باسم الدين وأهل البيت ثم يسير بغير سيرتهم، ويسعى لتحقيق مآرب شخصية، وهذا ما صرف أذهان العباسيين في بادئ الأمر عنه، عليه السلام، خلال وجوده بالكوفة والعراق بشكل عام، ولا ننسى دور الامام الصادق في تدوين الزيارات العديدة للإمام الحسين، عليه السلام، خلال وجوده المؤقت في كربلاء المقدسة، وبالقرب من المرقد الشريف، وما تركت من آثار نفسية ومعنوية هائلة في نفوس الشيعة والمسلمين كافة منذ تلك الايام والى يومنا هذا.

وفي هذه الفترة بالذات حيث كان السفّاح مشغولاً بتثبيت اركان حكم العباسيين، كان الامام الصادق يعمل على تشييد البنية التحتية للعلم والمعرفة والثقافة لابناء الأمة بما يمكنهم من اختيار القيادة الصالحة وتمييزها عن سواها، بل ويمكنهم من الاستضاءة بالطريق الذي يحفظ لهم الكرامة والحرية، وهو ما استشعره المنصور الدوانيقي بعد موت السفاح، ومن بعده ايضاً؛ هارون العباسي عندما وجدوا في العلماء والفقهاء من مدرسة الامام الصادق ما لم يجدوه في آخرين من المدارس الأخرى، وإلا ما الذي يدفع هارون للقول في محضر من جماعته: "كيف أعيش –مضمون الرواية- وشخص مثل هشام بن الحكم على قيد الحياة"؟!

كانت مدرسة الامام الصادق، عليه السلام، علميةٌ –ثقافية تخرّج العالم المثقف في الدين والأخلاق والانسانية ليكون مشعلاً ينشر الوعي واليقظة في أوساط الأمة، وهو الأمر الذي دعى العباسيين لتشديد الاجراءات القمعية ضد الامام في عهد الدوانيقي فصار الوصول الى الإمام الصادق يتم خفية وبالتمويه، كما حصل مع ذلك الرجل الذي تقمّص دور بائع الخيار ليصل الى دار الامام ويطرح عليه سؤاله.

التقية مبدأ سماوي

ارتبطت التقيّة؛ فكرةً وممارسة بالتشيع ورجالاتها عبر التاريخ في حين هو مبدأ سماوي صرّح به القرآن الكريم لتحاشي الضرر على المؤمنين بالله –تعالى- من الطغاة والظالمين، كما حصل لمؤمن آل فرعون: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}، فالغاية الاساس من التقيّة، اتقاء الضرر والمشاكل من الاشرار، وهو ما يدعو اليه العقل السليم، ففي بعض الاحيان تقتضي الحالة كتمان الإيمان أو حقيقة شيء ما، لتمضي مسيرة الرسالة الإلهية قدماً دون اعتراضها من الحكام الطغاة، كما حصل مع الخضر وقضية خرقه للقارب في قصته مع نبي الله موسى، وثمة أمثلة عديدة تعضد التقيّة لتكون إحدى دعائم العمل لنشر قيم الدين في ظروف القمع والاضطهاد.

وقد غالط البعض من غير مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، عندما ألصقوا تهمة النفاق بهذا المبدأ العظيم، في حين إن الصفة الاخيرة تخلو من الايمان في القلب وإظهاره في اللسان، بينما التقية تحفظ الايمان في القلب وتظهره بشكل آخر الى الواقع الخارجي، وهذه ربما تكون ميزة وخصيصة عظيمة لمدرسة أهل البيت بين كل المذاهب والطوائف الدينية في العالم، تضمن لها الاستمرارية والحياة مع الزمن، ولا أجدني بحاجة للاستشهاد بسيرة رسول الله في هذه القضية واستذكار قضية عمار بن ياسر المعروفة للجميع.

وبما أن عهد الامام الصادق تميّز بالفترة الانتقالية، ليس فقط على الصعيد السياسي، وإنما على الصعيد الحضاري ايضاً، وكان يتعين تحديد معالم المدرسة الاسلامية بكل ميادنيها العلمية والدينية والثقافية على يد الامام الصادق، استدعى الأمر في كثير من الاحيان للاستفادة من التقية أمام سلسلة اجراءات السلطة العباسية الرامية للبحث عن دليل يشرعن لها قتل الامام الصادق، كما قتلت الكثير من الأخيار والثوار، لذا جاءت الروايات تنقل لنا كيف أن الامام الصادق حقن دماء اصحابه وحافظ على الجبهة الشيعية من نيران العدو من خلال التقيّة.

وفي الروايات ما يشير الى توصية الإمام لإصحابه بأن يفعلوا ما يتفق مع ظاهر الناس، ولا يشهروا بانتمائهم ليكونوا لقمة سائغة لجواسيس بني العباس، مثل؛ طريقة اسباغ الوضوء، والعمل بالاحكام الشرعية بما ينسجم مع فتاوى علماء البلاط، وذات مرة: قال أحد الاصحاب: استقبلت أباعبدالله في طريقي فأعرضت عنه بوجهي ومضيت، فدخلت عليه بعد ذلك فقلت: جعلت فداك إني لألقاك فاصرف وجهي كراهةَ أن أشقّ عليك، فقال له الامام الصادق، وهو يهوّن عليه: "رحمك الله، ولكن رجلاً لقيني أمس وقال: عليك السلام ياأباعبدالله، ما أحسن ولا أجمل!" بمعنى أنه لم يحسن الى الإمام بالسلام عليه، بل تسبب بالاشهار بجماعته، وهذا يدلّ على حرص الامام الصادق، ليس على حياته، فقط، وإنما على حياة المؤمنين من اتباعه، وأن لا تتعرض القاعدة الجماهيرية له لضربات مؤثرة من العباسيين.

وبهذه التضحيات الجسام قضى الإمام الصادق نحبه، ملبياً نداء ربه، عندما صار طريح الفراش، كما تشير الروايات، بما يعني أن المنصور الدوانيقي لم يقوَ على الايقاع بالإمام الصادق وهو يدك الأرض بقدميه، وجاء في الروايات أنه، عليه السلام، مرض بشدّة بسبب مأ ألحقه به العباسيون من المطاردة والمحاصرة والضغوط النفسية الشديدة، فلم يبق منه سوى الجلد والعظم، كما تصف الروايات، ولما دسّ المنصور السمّ اليه زاد نحول جسمه، فجاءه احد اصحابه فوجده في حال يُرثى له فبكى، فقال له الامام الصادق: لا تفعل، فان المؤمن يتعرض لكل خير، إن قطع أعضاؤه كان خيراً له، وإن ملك بين المشرق والمغرب كان خيراً له".

وبهذه الكلمات الذهبية يكشف لنا الامام الصادق فلسفة الحياة الحقيقية في مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، وأن الانسان المؤمن يحيا بإيمانه ويقينه.

اضف تعليق