{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}

سورة الأنفال، الآية:24

منذ اللحظات الاولى من ولادته المباركة، استبشرت الأرض بالخير والعطاء والحياة المتجددة قبل أن يستشعره انسان ذلك الزمان الموغل في ظلام الجاهلية، فكان لابد أن يشبّ النبي وينمو عوده ليراه المجتمع بلحمه ودمه، شاباً غضّاً، حسن المِعشار، حلو الكلام، طيب الخُلق، وهو يمر من بين مظاهر الموت الرهيبة، كان ينشر الحياة للطفل والمرأة والصغير والكبير، ويبشر بنهاية للبؤس والمهانة، فقد وضع حداً نهائياً لظاهرة دفن البنات وهنّ أحياء تحت التراب خوفاً من أن تتسب لهم بالعار خلال حروبهم ومعاركهم اذا ما تحولوا أسرى بيد الخصم، كما وضع حداً للموت المعنوي باستنزاف قدرات الانسان بسبب التعامل الربوي الفاحش، والطبقية القاتلة.

وأهم بُشرى للحياة قدمها النبي الأكرم لأهله و ابناء عشيرته؛ التوحيد.

فعندما صدح بالأمر الإلهي بأن {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} وجمع كبار قريش على مأدبة ليطرح من خلالها رسالته السماوية وبشارته العظيمة، تفاجأوا بالطرح الغريب عليهم، فهم مستأنسين بعبادة الأوثان، ولديهم أكثر من إله يسجدون له ويرجون منه قضاء حوائجهم بين جمع المال والغلبة في المعارك، بينما جاءهم رسول الله بأن "كلمة تقولوها تدين لكم العرب والعجم"، فأعجبوا بذلك وفرحوا:"أي وأبيك.."! قال: كلمة لا اله إلا الله، فانتفضوا امامه غاضبين.

فأيّ حياة أكبر وأعظم مما بشر به النبي عشيرته القابعين في زاوية من الجزيرة العربية "يخاوفون ان يتخطفهم الطير"، وكانوا يعيشون بين الموت والحياة بين قوتين عظيمتين في العالم آنذاك؛ الفرس من الشرق، والروم من الغرب!

الحياة بكرامة او الموت بسعادة

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى

إذا ما نوا وجاهد مسلما

و واسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مذموماً خالف مجرما

إن عشتُ لم أُلم وإن متُّ لم أندم

كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما

بهذه الأبيات أجاب أخا الأوس (من قبيلة الأوس) أحد ابناء عمومته على دعوته بعدم الالتحاق بالنبي الاكرم في إحدى غزواته بـ"إنك مقتول".

هكذا بعث النبي الأكرم الحياة في نفوس المسلمين من ابناء القبائل العربية الى درجة أنهم راحوا يبحثون عن الحياة الكريمة في الموت السعيد بين يدي رسول الله، وفي سبيل الله، ونصرة رسالته السمحاء، علماً أن النبي "كان يحتاط على الدماء أشد الاحتياط، حتى في فتح مكة لم يلطخها بالدماء إلا دون العشرين قتيلاً"، (رسول الاسلام في المدينة ج3- الامام الراحل السيد محمد الشيرازي).

وهذا ما لم يجربه العرب ولا غيرهم من قبل، فالحياة عند انسان ذلك الزمان تعني العيش بين الليل والنهار، والتمتع بالملذات، والتملّك، والعمل بما تملي النفوس، وإذا ما أغمض هذا الانسان عينيه وتحول جسمه الى جثة هامدة انعدم من الوجود كاملة، بينما الحياة غير المادية التي بشّر بها النبي الأكرم، فهي التي تتجاوز الحواس، والملذات والغرائز ليكون الانسان أسمى في هذا على الحيوان، فيأكل ويشرب ويسكن ويتملك في ظل الإسلام حراً كريماً، فهي "الحياة بالإيمان، إذ الحياة بمعنى الحسّ والحركة، مرتبة ضعيفة من الحياة، والمرتبة الأعلى؛ الحياة بمعنى السعادة الملازمة للعلم والفضيلة والرفاه والأمن والصحة"، كما جاء في تفسير "تقريب القرآن الى الأذهان لسماحة الامام الراحل لمعنى الآية الكريمة {لِمَا يُحييكُم}.

هذه الدعوة السماوية جاءت باسم النبي الأكرم، وأهل بيته، والأئمة المعصومين، فالحياة الحقيقية في ظلهم، و باتباع نهجهم وسيرتهم، أما الموت الزؤام الذي تجرعه المسلمون في ظل الأمويين والعباسيين فان السبب فيه يعود الى اتباع سيرة ونهج هؤلاء، وهي نتيجة طبيعية لا جدال فيها.

النبي يحارب الانتحار

وهل كان الانتحار في عهد رسول الله؟! كلا؛ مطلقاً، إنما كان هنالك اليأس والخيبة والقلق، وهي من لوازم الانتحار، فقد تعرض المسلمون لضغوطات شديدة في الفترة الزمنية القصيرة لمواكبتهم حياة النبي في المدينة، كان أبرزها؛ الخطأ الفادح في معركة أحد، كما في سوح المعارك الاخرى، ومنها غزوة حنين {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}، فكان النبي الاكرم يخفف من وطأة هذه الضغوط النفسية، ويعدهم بالنصر والغلبة، إن هم توكلوا على الله، وآمنوا من الاعماق بأنه ناصرهم وحاميهم، وفعلاً؛ كانوا يخوضون المعارك تلو المعارك، ولا يسقط منهم سوى قلّة من الشهداء، ثم يعودون الى ديارهم وأهليهم موفورين بالغنائم، وباليقين والاطمئنان على إسلامهم وإيمانهم، وبما جاء به رسول الله.

هذا في ميادين القتال، أما في الحياة الاجتماعية فان نبي الإسلام اتخذ سلسلة من الاجراءات الذكية لحماية المجتمع الاسلامي الفتيّ من أية شوائب تعلق به وتسبب له أمراض نفسية خطيرة، وتجعله مجتمعاً سليماً وحيوياً.

الاول: مكافحة الجهل بالعلم

الثاني: معالجة الغريزة الجنسية بالزواج

الثالث: معالجة الفقر بالعمل

ولمن يراجع سيرة الرسول الأكرم خلال العشر سنوات في المدينة المنورة يقرأ سطور مضيئة من هذه المعالجات البارعة، وكيف أنه كان يجعل العلم مهراً للزواج، وسعيه لتقليل الأمية ما أمكنه بطرق وأساليب مختلفة، وكيف كان يطبع الناس على الزواج ويحمّسهم عليه، ولم يستنكر موقف امرأة جاءته وهو بين اصحابه تطلب الزواج، فاستجاب لها وزوجها في الحال من أحد الجالسين وكان أعزباً، والروايات المؤكدة على الزواج عنه، صلى الله عليه وآله، كثيرة، وكيف أنه أطلق حرية العمل والتملك واستصلاح الأرض بما لم يشهده العالم من قبل، وسنّ قوانين لا أروع منها لحماية هذه الحرية تحديداً، وبقيت ذخراً لعلماء الدين والقانون علّها تأخذ طريقها الى التطبيق العملي، منها؛ "لا ضرر ولا ضِرار في الإسلام"، و"الناس مسلطون على أموالهم"، و"الأرض لمن عمّرها".

فعندما يكون الانسان مكتفياً من الجنس والمال والعلم والمعرفة بالطرق المشروعة، ما الذي يجعله كئيباً ومندفعاً نحو الانتحار؟

قرأت تعليقاً لأحد المسؤولين عن مكافحة المخدرات في بلد اسلامي على الحالة النفسية للمدمنين بأنهم ليسوا فقط لا يهابون الموت وأن حياتهم رخيصة، بل إن لديهم الخشية من الاستمرار في هذه الحياة!

الى هذه الدرجة اسوّدت الحياة في عيون المسلمين، ورثة ذلك المجتمع الاسلامي الأول، والبعض يتحدث عن أنهم على "السنّة"! بينما المرأى بالعين؛ الموت انتحاراً وبملء الارادة، وباشكال متعددة؛ فهناك الانتحار لخسارة المال، وآخر لخسارة مرتبة علمية رفيعة، كما سمعنا كثيراً بالانتحار لخسارة فتاة ملكت قلبه وعقله، وأخيراً تم ابتداع شكل جديد من الانتحار، وهو المتقمص للدين، فيفجر نفسه بين عشرات الاطفال والنساء والابرياء في الاسواق والاماكن العامة بدافع أنهم كفار، وأنه بقتلهم وتمزيق اجسادهم يقتدي بالنبي الأكرم ثم يدخل الجنة!

فأيّ مظلومية أشد وأمضّ من هذه الفرية على رسول الله، وقد بعثه الله رحمة للعالمين، ونحن نعيش هذه الايام السعيدة في ذكرى مولده الشريف!

وأيّ حزن نصيب به هذا النبي العظيم وقد وضعنا تراثه وسيرته وأخلاقه وقوانينه خلف أظهرنا وتوجهنا الى المجهول والسراب –وما نزال-، لنكون مصداق الآية الكريمة: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}!

اضف تعليق