ما هو مفهوم السياسة وكيف نقارنها بمفهوم السياسة عند اهل البيت والامام الحسن (عليهم السلام)، وماهي أولويات الإمام الحسن (ع) في السياسة التامة وكيف أوضح مفهوم الشرعية؟ ما هي مضامين صلح الامام الحسن (عليه السلام)؟ وماذا يحصل للأمة التي تتخلى عن المعصوم (ع)؟ وما هي مقومات الأمة لكي تستوعب حكم المعصوم؟ كيف يُفضح التضليل وماهو دور الإعلام في ذلك؟

مفهوم السياسة

عند تفسيرنا للمفهوم السياسي، لابد أن نفهم التأريخ فهما صحيحا قائما على مبادئ حركة الوجود الإنساني، ولا يمكن أن نفهم السياسة بوجود التلوث المفهومي الذي يحصل في أذهاننا عن السياسة، وهذا من أكثر الأخطاء الشائعة بين الناس، فالسياسة اليوم تعرف بأنها فاسدة ورديئة، باعتبار أن اغلب التجارب السياسية التي مر بها الناس كانت سيئة جدا. حيث يسودها الظلم والقمع والاستبداد والعنف والتعذيب والجوع والفقر وعدم المساواة وعدم العدالة، كل هذا تسببت به سياسة الحكام المستبدين العنيفين الانتهازيين.

أما المعنى الصحيح والسليم للسياسة، فهي إدارة حياة البشر، أمنهم ومصالحهم وتحقيق العدالة والتوازن وعدم الإضرار بالآخرين وحماية حريات الناس وحقوقهم المشروعة التي أقرها الله سبحانه وتعالى، وبالأخص رضا الناس بالحاكم.

من أهم الاسس التي أنعم الله سبحانه على الإنسان هي كرامة وحرية الإنسان، فالهدف من السياسة أن تحقق كرامة الإنسان وحماية حياته وحريته ووجوده الإنساني، وهذا كان هدف الأنبياء وهدف الأئمة (عليهم السلام)، (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

لابد أن نضع السياسة في هذا الإطار، هذه هي السياسة الواقعية التي تعطي الشرعية الحقيقية للحاكم حق الحكم، فقد جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: (اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ يا اَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفَ الْمَلائِكَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزّانَ الْعِلْمِ وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ وَاُصُولَ الْكَرَمِ وَقادَةَ الاْمَمِ وَاَوْلِياءَ النِّعَمِ وَعَناصِرَ الاْبْرارِ وَدَعائِمَ الاْخْيارِ وَساسَةَ الْعِبادِ وَاَرْكانَ الْبِلادِ وَاَبْوابَ الاْيمانِ وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ)، ومن كتاب للامام علي (عليه السلام): (ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الأمة بغير قدم سابق ولا شرف باسق ونعوذ بالله من لوازم سابق الشقاء...).

تأتي السياسة في مخرجاتها الناجحة في هذا الإطار، وأي شيء خارج هذا الإطار الذي وضعه الله سبحانه يكون خارج إطار العدل الإلهي وهو العدل الذي لابد أن يتحقق في الحياة، وان أي حاكم مستبد يستولي على الحكم بالقوة والتعذيب والقمع فهو حاكم غير شرعي، تلبس بالسياسة الكاذبة والانتهازية.

ولابد أن تتحقق هذه المبادئ في الحكم، ومنها إرضاء الناس وتحقيق أمنهم، هذه هي الشرعية الحقيقية وهي شرعية فطرية وعقلية ودينية واجتماعية، لذلك عندما نتكلم اليوم عن الشرعية، إنما نتكلم عن التوازن وتطبيق القيم الكونية، وأي اختلال في التوازن والقيم الكونية يؤدي إلى أزمات وكوارث ومشاكل.

لقد مرّ البشر بمشكلات كبيرة على طول تأريخهم بسبب الاختلال الحاصل في مفهوم السياسة، وبسبب الأنظمة السياسية التي عملت بالظلم ولم تطبق العدالة، لذلك عندما نقرأ حياة الإمام الحسن (عليه السلام) فإننا نقرأها ونفهمها من هذه الزاوية، وكما هو فهم لزاوية الإمام الحسين (عليه السلام).

عندما نقرأ الأحاديث الموجودة، سنلاحظ أن الإمام الحسن (عليه السلام) سار بسيرة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة الإمام علي (عليه السلام)، وبالنتيجة هي سيرة الأنبياء، وقد سار الأئمة (عليهم السلام) بهذه السيرة أيضا، لأنهم مبدأ وحلقة واحدة، وهو تحقيق الإنسان الصحيح في وجوده وكرامته وحريته.

عندما نلاحظ الصراع الذي يحدث بين الحق والباطل، والذي حدث بين أهل البيت (عليهم السلام) والشجرة الملعونة، نجد أن هذا الصراع قائم على مبدأ الشرعية والتوازن، لكن الأئمة (عليهم السلام) لم يكن هدفهم السلطة ولا الحكم بأي ثمن كان، وهذا خطأ عند البعض في فهمه وتساؤله، وهو لماذا لم يحصل الإمام علي (عليه السلام) على السلطة؟

لا يمكن أن نتصور بأن الإمام علي (عليه السلام) لم يكن يستطيع أن يحصل على السلطة، أو لم يكن الإمام الحسن (عليه السلام) يستطيع أن يصل الى السلطة؟، وأيضا الإمام الحسين (عليه السلام)؟ كانوا يستطيعون ذلك، ولكن هناك مبادئ إذا تم اختراقها يتحطم كل شيء ولا يبقى وجود للرسالة النبوية ولا لرسالة الإسلام.

أولويات الإمام الحسن (ع) في السياسة التامة

عندما ندرس قضية أهل البيت (عليه السلام) سنلاحظ أنها قضية سمو أخلاقي رائع جدا، فالأخلاق فوق السياسة وهي التي تحركها، وأن الاخلاق الانسانية هي أخلاق الانبياء التي لابد للإنسان ان يتمتع بها، حتى يشعر بوجوده وبالنعمة الإلهية، لا يمكن للإمام (عليه السلام) ان يخرج من اجل السلطة، فمن يمتلك هذه الأخلاق لا يمكن ان يغدر، ولا أن لا يفي بعهده، ولا أن يبايع كذابا، ولا ان يتعامل تحت ضغط امتيازات السلطة كالأموال والمناصب والغنائم، فهو (عليه السلام) كان يستطيع ان يعطي المناصب والمغانم من اجل كسب الولاء.

فالإمام الحسن (عليه السلام) عمل بكتاب الله وسيرة رسول الله، هذه هي السيرة الحقيقية، وأي شيء يأتي خلاف ذلك ليس من سياسة أهل البيت (عليهم السلام)، فلهم سياسة خاصة قائمة على المبادئ، ويمكن أن نلاحظ ذلك في قول الإمام علي (عليه السلام): (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة..). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن).

ونلاحظ أن السياسة اليوم تعتمد على الغدر والتنصل من المبادئ وعلى المصالح الذاتية، يعبر عنه القول المعروف بين السياسيين (لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وإنما مصالح دائمة)، وعندما ندقق في هذا المنهج السياسي نلاحظ أنه لا يمتلك أي معنى أخلاقي، في حين ان الإسلام يرى إن المصالح قائمة على المبادئ الإنسانية.

لنفترض أن حاكما تحالف مع دولة لغزو دولة ثانية عدوانا، ومن ثم استباحة تلك الدولة باعتبار المصالح، فما هو مفهوم هذا السلوك وما تفسيره؟، إنه اعتداء وظلم، ولابد ان نقرّ ونقول دائما على عكس ذلك القول، (صداقات دائمة، مبادئ دائمة)، وليس لدينا عداوات ولا مصالح جزئية، بل توجد مصلحة عامة لكل البشرية، لكن هناك دولة تغلق حدودها أمام أناس آخرين باعتبار أنهم ليسوا من مواطنيها، هذا ليس بصحيح، فكل البشر لهم الحق في أن يعيشوا بكل الأمكنة.

وقد تعطي إحدى الدول الإمكانات والثروات لمجموعة خاصة، لكن هذا خلاف الغاية من الوجود الإنساني في الإسلام، بمعنى أن الحكم بات ضمن مشتهيات ومزاج الحاكم وايدلوجيته الضيقة، التي تضع إسقاطاتها على الحكم، وهكذا تسير الدولة وفق رؤية تنزاح نحو الفئوية والاستئثار والاحتكار لجماعة معينة. استئثار بالثروات وسيطرة تامة للسلطة السياسية، سواء كان ذلك من قبل الحاكم نفسه، او من قبل مجموعة من الأحزاب أو الجماعات السياسية، هذا كله لا يعبر عن حقيقة العدالة الإنسانية التي لابد أن ينظر إليها الإنسان ويلتزم بها.

ولكن كيف تأتي دولة، لتسيطر على دولة أخرى، ومن ثم تضعها في قبضة الفوضى كما حصل في أفغانستان مثلا، شعب مستلب بلا قوة، تركته هكذا بالهواء الطلق، باعتبار المصالح، فلماذا أتيت منذ البداية، لتحصل هذه النهاية الكارثية!!

هذه مشكلة كبيرة في عالم اليوم، نحن نعيش اختلال المفهوم السياسي، هم يدعون الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام الحريات، لكن هم أكثر من يقوم بعملية اختراق حقوق الإنسان وانتهاكها، وعدم احترام حرية الإنسان وغاية وجوده.

الإمام الحسن (ع) ومفهوم الشرعية

أراد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أن يبين معنى الشرعية، ومعنى الحكم والحاكم، في قضية الصلح الذي هو الأساس في الاسلام: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)، ليس لدينا شيء اسمه حرب، الحروب للدفاع عن النفس كما دافع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معاركه، ودافع أمير المؤمنين (عليه السلام). كما التجأ الإمام الحسين (عليه السلام) للدفاع عن نفسه، فحتى آخر لحظة لم تكن هناك نيّة عند الإمام الحسين (عليه السلام) للحرب، لكن يزيد أراد أن يذل الإمام، فردَّ عليه بقوله الشهير: (ألا إنَّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة)، فالكلام قبل كل شيء أن الأساس هو الصلح والسلام، وأن (الصلح خير) كما في الآية القرآنية.

لقد لاحظ الإمام الحسن (عليه السلام) أن جميع الظروف الموجودة في المجتمع غير ملائمة لخوض الحرب، فالأمور ليست مهيأة للقتال، وهذا يعني أن الإمام حقق الشرعية الحقيقية، لكن الناس نتيجة السنين الماضية التي مروا بها وأساليب معاوية الخبيثة، استباحت البلاد بالفساد والأموال والمغانم، ومن ثم ذهب الناس وراء الماديات، وكأنهم ليس لديهم معرفة حقيقة بالإمامة، لذلك عندما نقرأ التأريخ نرى أن الناس تخلوا عن الإمام الحسن (عليه السلام)، حتى بعض قادته ذهبوا لمعاوية بعد أن أغراهم بالمال.

لكن الإمام الحسن (عليه السلام) أراد أن يحافظ على الإسلام، لأن هدف معاوية كان تحطيم الإسلام، فكان عنده ثأر وانتقام من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مثلما انتقم يزيد من الإمام الحسين (عليه السلام) بسبب ثأرهِ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أهل البيت، فأراد أن يستبيح الإسلام ويقضي على شيء اسمه محمد (صلى الله عليه وآله). قال الإمام الحسن (عليه السلام):... يا حجر... وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم...).

أراد ان يستبيح الشيعة، بالمقابل أراد الإمام الحسن (عليه السلام) أن يحفظ ما تبقى من ذلك الوجود، حتى يستمر شيعة اهل البيت (عليه السلام) في المقاومة، وإلا كان يقضي عليهم بشكل تام، والنتيجة الأساسية أراد أن يبيّن للناس أن معاوية كان داهية ومدعي، وأهل البيت (عليهم السلام) ما كانوا يستعملون المكر والخديعة والكذب والغدر لأنها من صفات الشياطين.

وتذكر المصادر التاريخية (أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لما سلم الأمر إليه وظن أن سيحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة، من سار بكتاب الله وسنة ونبيه (صلى الله عليه وآله). وليس الخليفة من سار بالجور. ذلك ملك، ملك ملكاً يمتع به قليلاً، ثم تنقطع لذته وتبقى تبعته، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين).

بعض الناس اليوم يحنّون للمستبد والدكتاتور، باعتبار أن ذلك المستبد يحقق لهم الأمن، لكن هذه فتنة الإنسان الظالم الذي يأتي بالقوة والسلاح، ليحكم الناس ويفتك بهم ويقتلهم، باعتبار انه هو قوي ويستطيع ان يحقق الأمن!، هذا كذب وفتنة، فبعد ذلك تأتي الكوارث كما رأينا في النظام البائد. وكثيرة هي الكوارث التي حدثت نتيجة للاستبداد والحروب التي شنها ذلك النظام، لذلك يقول الإمام الحسن (عليه السلام) في وصف معاوية: (ملك جاء ليملك) ومعاوية يعترف بنفسه قائلا: (إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا تصوموا، ولا تحجوا ولا تزكوا. إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون. وإني منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي ولا أفي بشيء منها).

ماذا فعل معاوية؟، لقد ابتكر مذاهب الجبرية والقدرية، حتى يقول إن الله هو الذي وضعني حاكما عليكم، وأن أظلمكم واستبد بكم واستعبدكم، وهذه منحة من الله، لكن كل هذا كذب، ففي بعض الأحيان عندما يريد الحاكم أن يضع شرعية لنفسه، يخترع بعض الأوهام ويُدخلها في أذهان الناس وهم ينخدعون بذلك مع الأسف الشديد، يحدث هذا بسبب الجهل وعدم وجود الوعي عند الناس، وبسببه تخلّوا عن الأئمة (عليهم السلام).

ما هي مضامين صلح الامام الحسن (ع)؟

كما ذكرنا كلام معاوية: (قاتلتكم لأتأمر عليكم)، أي أنكم غير راضين، فالحكم تم بالقوة، وهذا وهو الذي بذلك نزع الشرعية عن نفسه: (وإني منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي ولا أفي بشيء منها).

هكذا هي سياسة معاوية، إنها قائمة على عدم الوفاء والغدر وإجبار الناس وإكراههم على القبول بالحكم، فمعاوية يعترف بنفسه بأنه لا شرعية له في هذا الأمر، لذلك كان الهدف من بنود الصلح هو نزع الشرعية عن معاوية وكشفه للناس.

والنص الذي ذكرناه في أعلاه كشف زيف معاوية كلّه، فهو شخص زائف بكل ما للكلمة من معنى، وأراد الأئمة (عليه السلام) أن يكشفوا هذا الزيف، ويعرّفوا معنى الشرعية، ومعنى السياسة، بحيث لا يسير الناس على سيرة معاوية وامثاله من الادعياء.

كيف يُفضح التضليل ودور الإعلام في ذلك؟

التضليل هو جائحة أسوأ من جائحة كورونا، لأن كورونا تستهدف الجسم، أما التضليل فيستهدف العقل ويسمم الفكر ويخلق أوهاما وأفكارا ملوّثة، والحاكم المستبد الظالم الزائف الذي لا شرعية له يقوم بعملية تضليل الناس، حتى يثبّت نفسه وعنده إمكانات كبيرة لفعل ذلك، ولدينا اليوم ما نسميهم بالذباب الالكتروني (الجيوش الالكترونية) التي تضلّل الناس وتخدعهم، وفعلا تتحقق عملية التضليل وينخدع الناس بالكذب والزيف، لذا نحتاج للعلم والمعرفة، لاسيما أن حجم الانخداع كبير جدا، ولعل خطاب الإمام الحسن (عليه السلام) كان واضحا في هذا المجال.

ماذا يحصل للأمة التي تتخلى عن المعصوم (ع)؟

تكمن المشكلة الأساسية في مفهوم الحكم والقوة، الله سبحانه هو القوي القادر، فعندما يقول بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يعني أن كل شيء يكون في إطار الرحمة، وهي إطار لكل حياتنا، وأي كسر لهذا الإطار معناه كسر للنظام الكوني الذي وضعه الله سبحانه.

فهو قائم على الرحمة وليس على القسوة، وسياسة أهل البيت (عليه السلام) هي قوة الرحمة، ويقول الله سبحانه: (وإنك لعلى خلق عظيم)، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، وهذا هو منهج أهل البيت (عليه السلام) قائم على الرحمة واللين واللاعنف والعفو والحزم والشورى، وهذا هو اصل الحكم الحقيقي.

لذلك فالأمة التي لا تفهم هذا الإطار، تذهب إلى غير هذا تُعتبر أمة فاشلة، تُحكم بقوة القسوة، فهذا حكم فاشل ينتج الفوضى والفقر والامتيازات الطبقية، والمشكلة الموجودة في المواطن العادي انه يستسلم للأمر الواقع، ويشعر أن لا أمل في الحياة ولا يمكن التغيير، وهذا أكبر خطأ يرتكبه بعض الناس.

فكل إنسان يستطيع التغيير عندما يتبنى مبادئ صحيحة، وهي أن لا يتخلّق بأخلاق الحاكم الفاسد، وهذه المشكلة موجودة في المجتمعات، فأما أن يتخلّق الحاكم الفاسد بأخلاق المجتمع، أو أن المجتمع هو الذي يتخلق بأخلاق الحاكم.

إذا أردنا ان نصنع مجتمعا صالحا غير كارثي، لابد ان يكون عندنا التزام بالمبادئ، يعتقد البعض أن الاستبداد يستطيع انقاذ المجتمع بقوة وعنف الدولة، لأن الاستبداد يؤدي إلى نهايات مأساوية وحروب وتفكك وهشاشة اجتماعية.

لذا نرى اليوم، أن بعض الدول الديمقراطية تبقى محافظة على نفسها نسبيا مهما تتعرض للأزمات، لأن المجتمع هو الذي يحمي هذه الدولة، أما الأنظمة المستبدة فبمجرد ان تواجه أزمات تنهار، مثلما سقط الاتحاد السوفيتي، لأن المجتمع ليس له علاقة بالدولة.

لذلك يجب أن تنهض المبادئ من الوعي المجتمعي، ونعني بها مبادئ الحرية والعدالة والعفو والتسامح والعدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروات والمساواة والرحمة الإلهية واللاعنف داخل الأسرة وداخل المجتمع، والتربية الصحيحة على هذه المبادئ.

بمعنى أن هذه المبادئ ليست قضية شعارات نتكلم بها فقط، بل يجب أن تكون منهجا تربويا يبدأ من الأسرة، ومن ثم المدرسة، ثم المجتمع، ونطبقه في الدوائر الحكومية، وفي الأسواق والقطاع الخاص والعام، حتى يصبح منهجا يحمي الدولة والمجتمع.

ما هي مقومات الأمة لكي تستوعب حكم المعصوم؟

المعصوم (عليه السلام) له مرتبة كبيرة وعظيمة، حجة على البشر، والنموذج الكبير الذي يقتدي به الناس، لنفرض أننا اليوم لا نملك نموذجا كنموذج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وليس عندنا كنموذج الإمام علي (عليه السلام)، أو الإمام الحسن (عليه السلام)، أو الإمام الحسين (عليه السلام)، أو أبو الفضل العباس (عليه السلام)، أو باقي الأئمة (عليهم السلام)، والشخصيات التي نعيش معها، فهذه النماذج هي التي تعطينا رؤية حقيقة صالحة للحياة السعيدة.

هناك أمل في الحياة إذا اتبعنا هذه النماذج، لذلك عندما نقول: (مُعْتَقِدٌ لِإِمَامَتِكُمْ مُقِرٌّ بِخِلاَفَتِكُمْ عَارِفٌ بِمَنْزِلَتِكُمْ مُوقِنٌ بِعِصْمَتِكُمْ‏ خَاضِعٌ لِوِلاَيَتِكُمْ)، نقتدي ونتأسى بسيرة أهل البيت (عليهم السلام).

فأهل البيت لا يغدرون، ولا يفتكون، بل لديهم وفاء بعهودهم، وعندما يعطي الإمام (عليه السلام) كلمة ينفّذ كلمته ولا يتخلى عنها، فالوسيلة لا تبرر الغاية، ليس عندنا شيء اسمه انتهازية (ميكيافيلية)، وهي التي يطبقونها اليوم، ويفعلون أي شيء من اجل تحقيق الغاية، حتى لو كانت فيها معصية الله، كما جاء في الرواية: (لا يُطاع الله من حيث يُعصى).

لذا فالسياسة التي نريدها ونبحث عنها اليوم، هي سياسة أهل البيت (عليه السلام)، سياسة المبادئ، ولو طبقنا هذه السياسة واتبعنا الإمام المعصوم سنكون أمة صالحة، وهذه المبادئ لا تبدأ من الحاكم فقط بل من المجتمع بشكل اساسي، فلابد أن نعمل بالمبادئ التي ذكرها أهل البيت في رواياتهم.

وهي مبادئ الرحمة واللاعنف، والتسامح والعفو والمحبة، والتضحية والعطاء، ونحن اليوم نعيش في الزيارة الأربعينية، حيث يتجسد مفهوم العطاء، فلابد أن يستمر هذا المفهوم في حياتنا، وأن يتم تطبيق الشورى، وحماية الحرية والكرامة والحقوق أساسي في حياتنا وان لا نتخلى عنها لأجل المستبد والحاكم العنيف الفاسد بحثا عن اماني زائفة.

وفي خطبته (عليه السلام) حين قال له معاوية بعد الصلح اذكر فضلنا:

(... ويلك يا معاوية إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعمل بطاعة الله ولعمري إنا لأعلام الهدى ومنار التقى ولكنك يا معاوية ممن أبار السنن وأحيا البدع واتخذ عباد الله خولا ودين الله لعبا فكان قد أخمل ما أنت فيه فعشت يسيرا وبقيت عليك تبعاته...).

* نص حوار بث على قناة الامام الحسين الفضائية، أجرى الحوار مصطفى الزيدي

اضف تعليق