انتقل الحبيب إلى الرفيق الأعلى في ضُحى الإثنين 28 صفر 11ه

مقدمة إنسانية

لكل شيء مثال ويكون رمز له، وفي الإنسانية مثالها محمد بن عبد الله ورمز إنسانيتها فيها..

هذه الحقيقة التي تظهر لكل مَنْ درس حياة ذاك الرمز العظيم، والإنسان الحكيم، والمثال الكريم على الله الذي اتخذه رسولاً وختم به الرسالات والنبوات، فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، فأكمله في قيمه وخلَّقه بأخلاقه، وأدَّبه بآدابه وأمر الناس أن يتخذوه أسوة فقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)

فهو الأسوة الحسنة والقدوة المثال في التربية التي يجب أن نُربِّي عليها الأجيال الصالحة، لأنه تربية ربانية خالصة، وصناعة رحمانية، قال (ص): (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، وهذا ما بيَّنه وصيه ووليه أمير المؤمنين (ع) في خطبته حيث قال: (ولقد قرن اللَّه به(صلى اللّه عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته؛ يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالَم، ليلَه ونهاره.. ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفَصِيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علَماً، ويأمرني بالاقتداء به). (نهج البلاغة: الخطبة القاصعة 192)

فالتربية بالقدوة هي من أجل وأجمل أساليب التربية، كما أن (الأدب وراثة كريمة)، ولذا قال رسول الله بحق أمير المؤمنين علي (ع): (أنا أديب الله وعليٌّ أديبي)، وقال الإمام علي (عليه السلام): (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدبه الله عز وجل، وهو أدبني، وأنا أؤدب المؤمنين، وأُورِّث الأدب المكرَّمين)، وما أحوجنا لمعرفة سيرة ومسيرة أسوتنا وقدوتنا في الخير، رسول الله (ص) وعترته الطاهرة (ع) الذين قرنهم الله ورسوله (بحديث الثقلين) إلى يوم القيامة، لنُربي أبناءنا وأجيالنا على تلك القيم الراقية والأخلاق النبوية السامة التي غرسها الله تعالى في رسولنا الكريم (ص) وأمرنا أن نقتدي به لنهتدي في مسيرتنا التربوية، لا سيما في هذا العصر الرقمي الذي ضاعت فيه القيم الروحية والمعنوية بما كسبوه واقترفوه في حياتهم من فساد وإفساد في البلاد والعباد وفي كل مناحي الحياة الإنسانية.

كمال الدِّين الإسلامي

إن أول ما يخطر على البال في هذه الأيام الحزينة حيث لم ينته شهر صفر الأحزان إلا وقد خطف من الحياة سيد الأنام ورسول الله (ص) إليهم، فهل انتقل إلى الرفيق الأعلى ودين الله ناقص، أو فيه خلل، أو نقص في منظومته التشريعية، والأخلاقية، والعقائدية كلها؟

هذا ما يظنه البعض – للأسف الشديد – وما كان لرسول الله (ص) أن ينتقل عن هذه الحياة إلا وقد أكمل الله له الدِّين لأنه لا دين، ولا رسالة، ولا نبوة من بعده، وهذا واضح وجليٌّ في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، فالحق تعالى يقول أنه كامل ويأتيك مَنْ يدَّعي ظلماً وجهلاً بأنه غير كامل، وأن فيه نقصاً فأكمله رجال قريش الذين تسنَّموا كرسي الحكم والسلطة بلا مبرر شرعي، ولا علم يؤهلهم لذلك، فراحوا يتخبطون بالأحكام، ويخبطون خبط عشواء، وراحت الأمة تتبعهم في أخطائهم، وتتعبَّد بسيرتهم وسُننهم الباطلة ظنَّاً منهم أنه الحق وما هو إلا عين الباطل حتى أوصلوها إلى الملك العضوض وتسلمها أبناء الشجرة الملعونة في القرآن الأموية فاتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً كما أخبر رسول الله (ص) تماماً.

ففي حديث عبد العزيز بن مسلم قال: كنَّا مع الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي (عليه السلام) فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسَّم (عليه السلام) ثم قال: (يا عبدالعزيز! جهل القوم وخُدعوا عن آرائهم؛ إنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يقبض نبيّه (صلى اللّه عليه وآله) حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عزّ وجلّ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتاَبِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: 38)، وأنزل في حجّة الوداع؛ وهي آخر عمرِه (صلى اللّه عليه وآله): (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة: 3)

وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمضِ (صلى اللّه عليه وآله) حتى بيّن لأُمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحقّ، وأقام لهم عليّاً (عليه السلام) عَلَماً وإماماً، وما ترك لهم شيئاً يحتاج إليه الأُمّة إلّا بيّنه، فمَنْ زعم أنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يُكمّل دينه، فقد ردّ كتاب اللَّه، ومَنْ ردّ كتاب اللَّه فهو كافر به). (الكافي: 1/198/1، كمال الدين: 675/31، عيون أخبار الرضا: 1/216/1، معاني الأخبار: 96/2، الأمالي للصدوق: 773/1049، تحف العقول: 436، الاحتجاج: 2/439/310، الغيبة للنعماني: 216/6)

تمام الدِّين الإسلامي

في يوم الغدير الأغر أتمَّ الله النِّعمة أيضاً بولاية ولي الله الأعظم وبيان قائد الأمة الملهم، وأمير المؤمنين المكرَّم، وكان ذلك بعد أن بايعت الأمة التي حضرت في ذلك اليوم حول الغدير وحمَّلهم رسول الله (ص) مهمة التبليغ: (فليُبلِّغ الشاهد منكم الغائب)، ورضي الرب بذلك كله لأن الدِّين بلا قيادة ربانية حكيمة ومسددة ومؤيدة من الحكيم العليم ستنحرف عن جادة الصواب، وتزيغ عن الحق وتخرج عن الصراط المستقيم، كما جرى في هذه الأمة حينما فصموا الثقلين وباعدوا بينهما حيث اتخذوا الكتاب الصامت ولم يعلموا تفسيره وتأويله لأنهم أبعدوا أهله عنه وعنهم فضلوا وتاهوا وتفرَّقوا طرائق قددا كما نرى اليوم بأم العين حيث نبلغ ربع سكان المعمورة إلا أننا غثاء كغثاء السيل لا قيمة ولا قوة ولا شوكة وصرنا من أذل الشعوب والأمم.

ففي حجة الوداع، وفي يوم الغدير كان يؤكد رسول الله (ص) على الثقلين (كتاب الله وعترتي)، ولكن ما أن عاد إلى المدينة المنورة وأذن الله له بالرحيل عن هذه الدنيا حتى اتخذ عدة إجراءات حتى يُفوِّت على رجال قريش الطامحين للكرسي والسلطة فرصة الوصول إلى مآربهم، فأبعدهم عن المدينة جميعاً وأمَّر عليهم أصغرهم سناً وقال: (أنفذوا؛ جهِّزوا جيش أُسامة، لعن اللَّه من تخلّف عنه)، فتخلَّفوا عنه جميعاً.

وليس ذلك فقط بل جاؤوا إلى بيت رسول الله (ص) يمنعونه من كتابة وصيته وعهده إلى أمته وذلك في يوم الخميس قبل ثلاثة أيام فقط من رحيله، وهو ما يُسميه عبد الله بن عباس بيوم الرزية (المُصيبة)، وهو ما رواه البخاري وغيره في صحاحهم: (عن عبد اللَّه بن عبّاس: لمّا حُضِر رسول اللَّه (صلى اللّه عليه وآله)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال النبيّ (صلى اللّه عليه وآله): (هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده)، فقال عمر: إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه وآله) قد غلب عليه الوجع!!! وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه!! فاختلف أهل البيت فاختصموا؛ منهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبيّ (صلى اللّه عليه وآله) كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم مَنْ يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ (صلى اللّه عليه وآله)، قال رسول اللَّه (صلى اللّه عليه وآله): قوموا.

قال عبيد اللَّه: فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرَّزِيّة كلّ الرَّزِيّة ما حالَ بين رسول اللَّه (صلى اللّه عليه وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؛ من اختلافهم ولَغطهم). (صحيح البخاري: 5/2146/5345 وج 4/1612/4169 وج 6/2680/6932 وج 1/54/114، صحيح مسلم: 3/1259/22، مسند ابن حنبل: 1/719/3111 وص 695/2992، الطبقات الكبرى: 2/244، البداية والنهاية: 5/227؛ الأمالي للمفيد: 36/3)

وفي صحيح البخاري عن ابن عبّاس: يوم الخميس، وما يوم الخميس!! اشتدّ برسول اللَّه (صلى اللّه عليه وآله) وجعه، فقال: (إيتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً)، فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازُع - فقالوا: ما شأنه؟! أهَجَرَ (هذى وأفحش)؟!! استفهِموه!!! فذهبوا يَرُدّون عليه. فقال: دعوني؛ فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعونني إليه). (صحيح البخاري: 4/1612/4168 وج 3/1155/2997، صحيح مسلم: 3/1257/20، مسند ابن حنبل: 1/477/1935، الطبقات الكبرى: 2/242، تاريخ الطبري: 3/192، الكامل في التاريخ: 2/7، البداية والنهاية: 5/227، الإيضاح: 359)

فكمال الدِّين يكون باقتران الثقلين (الكتاب الصامت، والعترة الناطقة به) ورجال قريش لا يريدون إلا الكتاب الصامت "حسبنا كتاب الله"، ورفضوا بقوة وغلظة كتابة رسول الله (ص) الكتاب العاصم لهم من الضلال، بل ورموه بالهذيان والفحش بالقول –والعياذ بالله– ولذا طردهم من بيته وقال لهم: (ما أنا فيه خير مما ترمونني به)، أي أن الموت أهون من كلام الرجل.

شهادة النبي (ص) مسموماً غاضباً

ومما تقدم نعلم كم كان الجرح الذي سببه رجال قريش لذلك القلب الكبير، الذي احتملهم طيلة 63 سنة في ليله ونهاره، وسفره وحضره، ورفعهم من الجاهلية الجهلاء إلى قمة العلم والحضارة والأنوار وهكذا كان جزاؤه منهم رفضوا الخروج في جيش أسامة، ثم جاؤوا إلى بيته ومسجده محاصرين له كلٌ يُريد أن يُصلي بالناس إذا تأخر بدفع من ابنته، وكأنهم لم يسمعوا آيات القرآن الحكيم التي تقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: 59)، وأمر الطاعة المطلقة لرسول الله ورد في أكثر من عشر آيات فلماذا أيها الناس جرحتم رسول الله (ص) في آخر لحظات حياته حتى فارقكم وهو غاضب منكم وعليكم؟

وُروى أن في آخر خطبة له روحي فداه قال (ص): (يا معشر المهاجرين والأنصار ومَنْ حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجن والإنس، فليبلغ شاهدكم الغائب، ألا قد خلّفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى والبيان ما فرط الله فيه من شيء حجة الله لي عليكم، وخلّفت فيكم العلم الأكبر علم الدين ونور الهدى وصيي علي بن أبي طالب، ألا هو حبل الله فاعتصموا به جميعا ولا تفرقوا عنه). (بحار الأنوار: ج22 ص486)

يقول الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي (قدس سره): " وقد اشتكى رسول الله (ص) من مرض قبل وفاته بثلاث عشرة ليلة تقريباً، وكان ذلك من أثر السم، قيل: إنه سم المرأة اليهودية في قصة خيبر. (رغم أن الفخذ المسموم أخبره بسمه، ولم يأكل منه، وهل يُعقل أن يبقى أثر السم أربعة سنوات؟، أو هل يُعقل أن يأكل رسول الله (ص) بهذه السذاجة والبساطة من أيدي اليهود؟ وألف سؤال وإشكال يخطر هنا، ولكن ادَّعوا ذلك ليُخفوا السم الحقيقي الذي سقوه إياه بالدواء باسم اللدد رغم نهيهم وتحذيرهم من ذلك؟).

وكان النبي (ص) يؤكد كثيراً خلال مرضه هذا على التمسك بأهل بيته (ع) وضرورة تجهيز جيش أسامة والخروج من المدينة، ولعن مَنْ تخلَّف عن جيش أسامة فأراد (ص) أن يُخلي المدينة من المنافقين وغيرهم، حتى تتهيأ الأجواء لتسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الخلافة، ولكن بعض الصحابة تخلفوا وعصوا أمر رسول الله (ص) في خروجهم، فهل كانوا على علم بأنه (ص) لا يُشفى من مرضه هذا، وأنه سُقي سماً لا يبرأ منه؟!". (من حياة النبي محمد (ص): ص166).

هكذا عرجت تلك الروح الطاهرة، العظيمة، إلى بارئها بعد أن أكمل المهمة، وبلَّغ الأمة، وصنع لهم حضارة إنسانية راقية جداً، تمثِّل خُلاصة المبادئ والقيم والمُثل الإنسانية في هذه الحياة، ولكنهم لم يُراعوا حقَّه في نفسه وأهل بيته الأطهار الأخيار الأبرار الذين جعلهم الله سبحانه عِدلاً للكتاب الحكيم، والدستور القويم، لأنهم عيبة علمه، ومفسريه ومؤوليه في الحياة على وجهها الصحيح والسليم وكما أراد الله وأمر.

انتقل رمز الإنسانية ورسول الله إليها (ص) إلى الله تعالى مسموماً مظلوماً شهيداً وشاهداً على هذه الأمة التي قتلته وراحت تتبع أهل بيته وتقتلهم تحت كل حجر ومدر، وكأنه أوصاهم بقتلهم لا ببرِّهم ومحبتهم، وولايتهم كما قالوا بعد مأساة كربلاء الخالدة وشهادة السبط العظيم سيد الشهداء (ع) وإخوته، وأبنائه، وأصحابه الكرام الميامين بطريقة لا شبيه لها في التاريخ كله.

اضف تعليق