منذ ان خلقت الخليقة وهي تسير امورها وفق قواعد ومبادئ، وليس لعملية ان تتم دون ان تكون على شكل خطوات ممنهجة وعلمية الى حدما، فحتى المجتمعات البدائية كانت تمارس نوع من الادارة وان كان بسيطاً، وقد تطورت الادارة مع تطور الازمنة واصبحت اكثر ملائمة لحاجات المجتمع، فالإدارة تعرف بأنها عمليةُ تحقيق الأهداف من خلال إدارة الآخرين وفق السلطة الممنوحة للمدير لاتخاذ القرار، ووظائف الادارة التخطيط والتنظيم والتنفيذ والتقويم.

ولأننا نعيش ذكرى استشهاد احد ابرز رموز الادارة الانسانية الواعية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) من الواجب ان نشير الى جودة ادارته ومدى مراعاته للآثار النفسية على المدير والموظف، فقد ركز على سلوكيات المدراء وانطباعاتهم عن المسؤولية، بعض الانطباعات والسلوكيات تدفع الانسان نحو التسلط وحب الدنيا وحب الجاه، ثم ركز على ما يجب ان تكون خلفية من يحمل هذه السلوكيات والانطباعات سيما من يكون في موقع السلطة.

الامام علي (عليه السلام) كان يعرف شخصية الانسان العربي سيما عن وصوله الى موقع المسؤولية سيكون قاسياً فيما يخص الموظفين لكنه يسمح لنفسه ان يتماهل ويضيع الاهداف العامة التي نصب من اجلها ويعلم انه (الحاكم العربي) يعتقد بأن من يعمل تحت أمرته هو عبد له ولا يعامل معه كرئيس مع مرؤوسين يستحقون الاهتمام والرعاية، لذا شدد الامام على اهمية ان تكون المسؤولية من موقع خدمي لا من موقع تشريفي لحماية مصالح الناس وضمان تحقيقها، والابتعاد عن كل ما يعود بالنفع الذاتي الفردي وان كان بسيطاً والمصداق عزله لحاكم البصرة حين علم بأنه لبى دعوة طعام دون علمه.

الفكر الاداري للأمام عليه السلام يمتاز بالتماسك والمتانة والاستناد على قواعد رصينة ومنطقية ولن يدانيه في ذلك اعظم المفكرين والقادة الغرب والعرب وغيرهم اللذين يشار اليه بالحكمة والاتزان، فهو ينظر الى الادارة بعين الانسانية ويراعي خلالها امكانية الانسان وقدراته فهو ليس آلة واداة لتحقيق الغرض بل هو كتلة من المشاعر والاحاسيس والقيم التي يجب ان تراعى ولا تخترق او يعتدى عليها، كما انه ينظر الى الادارة على انها جهاز مُنظِم لبيئة العمل لا يسمح للعمل تحت الفوضى ولهذا الجهاز هدف سامٍ ووجوده مهم جداً، كما انه ينظر الى المؤسسة الادارية على انها مجتمع متكامل يتضمن جميع المقومات الاجتماعية، اذاً الادارة عنده كيان اجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة وليس من مهامها التسلط ولا والتجبر ولا محاربة المرؤوسين في ارزاقهم وقتل روح الابداع والتجدد وخدمة الناس كما هو الان عند الكثير من المدراء.

ويؤكد الامام (عليه السلام) على محاسبة المقصر بقدر تقصير لا اكثر ولا اقل ومن دون ان تتحول بيئة العمل الى بيئة ذات طبيعة عقابية ومن دون ان تتسيد القسوة وتكون هي الحاكمة في التعاطي مع المرؤوسين، بل ينبغي ابقاء مساحة للتسامح واللين ولا توصل إلى الفوضى ولكنها في نفس الوقت لا تلغي الليونة والفرصة الجديدة، ويوصي بالرحمة لان الانسان في ذروة كماله قد يحتاج الى الرحمة عند الزلل وهذا ما يبقي الإنسان يعمل في ضوء السعة الذاتية والقدرات الشخصية المحدودة لذا ينبغي للإنسان المتصدي حساب هذه الجزئيات وعدم اغفالها.

والادارة وفق نظرية الامام علي (عليه السلام) ليست مجموعة ادوات فقط بل تقوم على نتاج البشر وجهده الفكري والعضلي ومن المهم وفق النظرية مراعاة الفروق الفردية بين البشر، وبقدر نجاح المدير في تفعيل عوامل الخير وتوظيف الطاقات الكامنة في البشر تتقدم المؤسسات والمشاريع وهي بأجمعها رهن الادارة الجيدة.

فهو يرى ان المدير الناجح هو من يعرف طبائع من يعملون بمعيته ويعلم ما الذي يحركهم؟ متى يتقدمون ومتى يتأخرون؟ وماذا يثبّط عزائمهم، على عكس النظرية الرأسمالية التي تنظر إلى الانسان ككتلة مِن اللحم الصماء فاصحاب هذه النظرية لا يعيرون أهمية للمحفزات المعنوية التي تدفع بالإنسان إلى الأمام عشرة أضعاف المحفزات المادية.

كما من ملامح جودة ادارة الامام علي (عليه السلام) في فترة حكمه كانت على عدة جوانب، في الجانب الاصلاحي العام اقصى الولاة النفعيين عن الامصار التي ضمن حدود دولته والذين لم يكن يهمهم سوى النهب والسلب والتسلط على قوت المسلمين فهو القائل: (والله لا أدهن في ديني ولا أعطي الدنيَّ من أمري)، وفي جانب الاصلاح الاجتماعي قضى على النزعة القبلية السائدة في المجتمع بإلغاء القيم العشائرية الباطلة والتفاخر الفارغ المحتوى فلا تفاضل بين احد واحد من الرعية الا بالتقوى، وفي جانب الإصلاح الاقتصادي عهد على نفسه وإلغاء التصنيف الطبقي للناس و وتوزيع الثروة بشكل عادل وكان عليه السلام يشرف على حركة الاسواق بنفسه ويقول (يا معشر التجار قدموا الاستخارة، وتركوا بالسهولة واقتربوا من المبتاهين، وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن الكذب، واليمين، وتجافوا عن الظلم، وانصفوا المظلومين ، ولا تقربوا الربا ، واوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين) وبذا قدم انموذجاً رائع وعظيم للإدارة الانسانية والحكم الرشيد رغم قصر فترة حكمه وكثرة المتربصين به، فالسلام عليك سيدي ايها المنصف العادل العظيم.

;