الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو بالإجماع سيف الله والإسلام، الذي بجهده وجهاده، بعد علمه وحكمته ونبوغه وعبقريته، إلى جانب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي ظهيرته، قد قام الدين واستقام بنيانه.

مع ذلك، لم يقاتل عليّ بن أبي طالب بدافع حقد، فقد كان قمة سامقة في النبل، ولم يقتل لميل في نفسه الى عنف أو انتقام، إذ كان رافضاً له في أصله، فهو عنوان للعدالة الإنسانية، ومدرسة نبذ العنف حتى مع أعدائه، فإنه يلتمس المبرر لعدوه، كي لا يضطر لقتاله، فيأخذ مخالفيه على ألف محمل، فكان كتلة من الرحمة والعطف والشفقة، وفي الوقت نفسه، كان الفرسان الأبطال يرتعدون خوفاً من مواجهته.

قدرته فريدة في معرفة الأشخاص وكفاءاتهم، وقد بان ذلك في قراءة شخصياتهم وإمكانياتهم، وكان لا يتخذ المعالجات في تعامله معهم، سواء في الخصومة أو الصحبة، وفق هوى أو رغبة في النيل من الآخر أو لمصلحة ذاتية، فكان يتعامل مع كل واحد منهم بطريقة أقرب لنفوسهم تشجيعا منه لهم على الأداء الأفضل، فهو الذي قال: (قد عرفتهم صغاراً وشهدتهم كباراً). وهذا من المهارات البالغة الأهمية في العمل والإدارة السياسية، التي تعتمد على القدرة في فهم الآخر، لتكون المواقف إزاءهم حاضرة، وفي الوقت المناسب.

كان مشروع علي بن أبي طالب مشروع إنساني يقوم على مبادئ؛ قد بشر الدين بها، تنظم وتنمي العلاقة بين الفرد والفرد، وبين الفرد والجماعة، ثم بيّن المجتمع والدولة، ومن هنا كان (الآخر) عند الإمام أمير المؤمنين، هو أخ في الدين أو نظير في الإنسانية، بل هو يقبل بالعدو، ليعتبره رحماً له، ويعامله بالحسنى والعطف، والإعراض عن التشهير والإزدراء، وسلبه مكانته الاعتبارية.

في علاقته بأعدائه من الخوارج، برغم خروجهم عن الإسلام، وإظهارهم المعارضة والعداء له، حتى في مجلسه، كان يجد الأعذار لهم، ويدفع باتجاه التسامح معهم، وعدم منعهم حاجاتهم المعيشية، من الماء والمؤنة والوظيفة العامة، فضلاً عن حريتهم في حضور الجمعة والجماعة، وألا يبدؤهم بقتال، وقد أثبت تلك الحقوق لهم بعهد موثق، هي قمة الحكم الرشيد والتعامل السمح مع الرعية، في إطلاق حرياتهم بالممانعة والمعارضة والرأي المخالف، وهو ما يتماهى مع الشريعة الإسلامية، التي لا تجيز إقامة الحدود بالشبهات، وإن هذه المدرسة الحقوقية تتوافق، بل تتفوق كثيراً كثيراً في تفاصيلها على مناهج الدول المتحضرة، اليوم، والقضاء المتقدم فيها.

لقد ضمنت سياسته الإجتماعية شمول جميع الرعية بالحقوق في الحياة، دون تفريق عن لون أو عرق، أو موقف فكري أو سياسي، فقد شمل ذلك الحق حتى معارضيه والمختلفين معه، حيث أن الآخر المخالف، لا يسقط عنه موقفه الفكري والسياسي، حق المواطنة، وحق الأمن أو حق الحياة نفسها.

خلال حكومته، أدار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمور الدولة والمجتمع وفق المعايير الإلهية فعاش الناس في زمانه، وخصوصاً أهل العراق، في حرية وسلام ورفاه ونعيم.

مبدأ علي بن أبي طالب وعمله

إن مبدأ الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب هو قوله (صلوات الله عليه) لصاحبه العابد الصالح، همّام، حينما سأل "يا أمير المؤمنين، صفْ لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه".

فكان مما أجاب أن المؤمن "لا جشِع ولا هلِع، ولا عنِف ولا صلِف، ولا متكلِّف ولا متعمِّق، جميل المنازعة، كريم المراجعة. عدل إنْ غضِب، رفيق إنْ طلَب، لا يتهور ولا يتهتك، ولا يتجبر، خالص الود وثيق العهد، وفيُّ العقد، شفيق وصول حليم حمول قليل الفضول".

وقال: "إن رأى خيرًا ذكره، وإنْ عاين شرًا ستره، يستر العيب، ويحفظ الغيب، ويقبل العثرة، ويغفر الزلة".

وقال: "قنَع فاستغنى، حياؤه يعلو شهوته، ووده يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده، لا ينطق بغير صواب".

وقال: "أعماله ليس فيها غش ولا خديعة".

أما عمل عليّ فحكومته التي امتدّت في أرجاء الشرق الأوسط كلّه وقسم من أوروبا وإلى عمق أفريقيا، فلم يكن فيها قتيل سياسيّ واحد، ولا سجين سياسيّ واحد، ولا مُنع حتى شخصٌ واحد من الخروج في تظاهرة ضد الدولة، ولم يستخدم السلاح إلاّ للدفاع، أيّ إذا تعرّض لهجوم مسلّح فقط، ولم يستخدم القوة أبداً في الردّ على من هاجمه بسبّ أو عارضه بكلمة، وفي طول حكومته لم يوجد شخصٌ واحد استأجر داراً للسكنى، ولا فقير ولا ذليل، ولم يوجد شاب لم يتزوّج لأن لا مال له، ولا بنت لم تتزوّج لأن لا مال لها.

ولا يوجد في حكومة عليّ أن شخصاً واحداً قال "لم أنم ليلة واحدة خوفاً من الحاكم عليّ بن أبي طالب، وليس في حكومته متسلّط، ولا فاسد، ولا فاشل.

هذا هو عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه) فاعرِفْ مَنْ هو المفسد ومَنْ يريد الإصلاح، ومَن يزعم أنه يحب علياً ويتبعه لكنه يسير بسيرة معاوية حيث الظلم والبطش والقمع والاغتيال والاعتقال والنفاق والفقر والبؤس والفساد.

;