"وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته".

السطور الأولى هذه هي جزء مقتطع من وصية الامام علي عليه السلام لمالك الاشتر بعد توليته على مصر لإدارة شؤونها، وجباية أموالها، فمن يُمعن النظر بالعهد كاملا يرى انه اشبه الدستور الذي لا تشوبه شائبة، خالي من الزلل، شامل لجميع الجوانب التي تهم حياة الافراد، ويحرص على رعايتهم بأتم وجه.

فهو أسس بذلك لدولة العدل والمساواة بين الرعية، فلا فرق بين عربي وأعجمي، الجميع يحصلون على نفس الحقوق ويؤدون ذات الواجبات، كما ان أي فرد مقصر ينال العقوبة دون تأخير ولا يشفع له بذلك أحد.

الامام علي عليه السلام يعلم ما يتمتع به الانسان من كرامة حباه الله بها واراد بهذه اللائحة الحقوقية ان يقول لمن يحكم الامة او الشعوب بعده، ان من اهم عوامل نجاح الحكم هو الابتعاد عن الظلم وتحقيق العدالة بين الجميع، فلم يُقرب أحد دون أحد، ولن يفضل قريب نسب على بعيد، الناس في دولته كالحجيج عند البيت الحرام، يرتدون الرداء الأبيض لا تفرق بين العالم والانسان البسيط معرفيا.

بعد ان نقل خلافته الى الكوفة حكم امير المؤمنين فترة تعد من أصعب الفترات، عُرفت بعدم الاستقرار السياسي وبالأحداث والمواقف الصعبة والمعقدة التي احتاجت إلى الحكمة والدراية الفقهية التي كان هو أهلا لها، وما كان له الا نجاح منقطع النضير، فعلى الرغم من ترامي أطراف دولته، وتعدد مهامها الا انه تمكن من وضع مواد قانونية، أصبحت وثيقة لحكم الدول على مر العصور.

فلا تزال مبادئ حكومته التي استمرت خمسة أعوام فقط من العام خمسة وثلاثين هجرية الى الاربعون، تتناقلها الحكام التي تريد النهوض بشعوبها وتصل الى مرحلة قصوى من توفير متطلبات العيش الرغيد، فترى في بعض الدول غير الإسلامية، يتبعون نهج الامام عليه السلام لبناء دولة مدنية قائمة على خدمة المواطن والاهتمام به.

إذا ما هذه العظمة؟، وما هو السر الذي تحمله تلك البنود التي وضعها أبا الحسن عليه السلام لإدارة مرافق الدولة؟، فكم من وثيقة صيغت على مر العصور لتنظم حياة البشر، في الجوانب السياسية والاقتصادية وكذلك الاجتماعية، لكنها لم تصمد امام المتغيرات، وتنتهي مدة صلاحيتها بفترة وجيزة.

ان من اسرار الخلود هذا هو ان من وضعها يتسم بصدق العلاقة مع ربه، ويخافه في عباده، فهو المؤتمن عليهم، والعارف بشؤونهم، والمراعي لمصالحهم، فلم يمل يوما عن الحق الى الباطل، غايته إنسانية، وأهدافه مستوحاة من الشريعة السماوية، قدم المصلحة العامة على الخاصة، ولم يكتنز لنفسه كغيره من الحكام، جاء بجلباب ولاقى ربه دون تغيره.

كان عليه السلام شديد الحساب لمن يعبث بالمال العام ويكسب دون شرعية، وتمكن من ضبط حركة الأموال عبر رجاله التقاة، فحقق بذلك ازدهارا اقتصاديا، الى جانب الازدهار بالجوانب الفكرية وغيرها، لا مثيل له، وشاع صيت دولته في سائر البقاع، فلم يستثن حقل يهم البشرية الا ووضع له قواعده، الكفيلة بتطويره والحفاظ على خصوصيته وعدم التداخل بين المهام والواجبات.

فأين الحكام الحاليون من نهج ابن عم النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، وخليفته من بعده، اذ نجد من يتولى زمام الأمور في هذه الأيام وكأنه لم يسمع بنهج علي سلام الله عليه، فنراه يبتعد الى اقصى درجة ممكنة، والاشد من ذلك انه يتبجح بانتمائه الى هذه المنظومة القيمية المتكاملة، وعلى العكس من ذلك تماما فهو لا يُجيد استخدام أي منها خدمة لرعيته.

لذا فان المطلوب من المتصديين للعمل السياسي وضع المنهج العلوي الخاص بإدارة الدولة امام اعينهم وعدم التغاضي مطلقا عنها، فلا نهضة اممية دون العودة الى قانونه المسنون منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا، فان ما يجمل هذه القواعد هي انها سارية المفعول بمختلف الازمان، وصالحة للعمل والقياس مهما تغيرت الأنظمة وتعاقبت الحكومات، تبقى لها من المرونة ما يجعلها تتميز بفاعلية وحيوية على العكس من القوانين الأخرى التي سرعان ما تتآكل ويذهب مضمونها.

الأمة العربية بأنظمتها القائمة بحاجة الى تطعيم افكارها بالفكر النيّر لسيد البلغاء عليه السلام، منعا لحالات الظلم وإيقاف الحيف الذي لحق بالرعية، والعمل على تعزيزها بجميع المجالات، وأكثرها الحاحا التي على تماس مع حياة الشعوب المضطهدة.

;