تقديم إنساني

الحديث عن الإنسان يجب أن ينطلق من أسِّه وأساسه، وأصله الذي خُلق منه ولأجله من اليوم الأول لإيجاده في هذه الدنيا، فربنا سبحانه قال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (الإسراء: 71)

فالإنسان مخلوق مُكرَّمٌ؛ أي أنه كريم على الله خالقه، وذو كرامة في هذه الحياة، ومن تلك الكرامة أن فضَّله الله على غيره من المخلوقات، بل وجعله محور هذا الكون تأكيداً لكرامته وتقديماً له على غيره، وأكرمه نفساً وذاتاً، بأن وهبه نعمة العقل والإرادة فاكتملت النعم الشخصية فيه.

ولكن ذلك لا يكفي ليتصدَّر قائمة المخلوقات لما فيه من الغرائز، والشهوات، والنزعات التي تشدُّه إلى الأرض فيتسافل، ويتدنَّى، فجعل له عقلاً من خارجه، يُسدده ويُؤيده ويرشده إلى المناهج السليمة ومواطن الكرامة والإنسانية، وذلك بالأنبياء والأوصياء والكتب المنزلة من السماء.

وبذلك يكون قد اكتملت الرسالة السماوية لإنقاذ هذا الإنسان المعذَّب في هذه الدنيا، فعندما يلتقي نبي الداخل (العقل)، مع العقل من الخارج (النبي)، يسير الإنسان على هُدى، ونور، ويعيش سعيداً حميداً في أقواله وأفعاله، وربما هذا هو السِّر الذي جعل سياق الآيتين الكريمتين المتقدمتين تذهبان إلى هذا المعنى الدقيق؛ إذ اقترنت كرامة الدنيا بالإمام الذي يقودهم في الآخرة، وهو ما جاء بحديث متواتر عن رسول الله (ص): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).

فالإمام هو القائد، والرائد، والدليل المرشد، والنور الهادي للبشر، فهو كالشمس الطالعة في النهار تهب النور وأسباب الحياة للأحياء، وكالبدر المنير في الليالي الحالكات، يُعطي الضياء والبهاء للسائرين في الليل المظلم، وأما الأموات، وفاقدي القابلية كيف يستفيدون من هذا النور وقد حجبوا أنفسهم عنه؟ علماً أن الشمس والقمر لا يُضيرهما الأموات ولا الأحياء، والا المنكرون فكل منهم يُعطي بما عنده، ويفيض غناءه بما فيه.

الإمام علي (ع) أبٌ رؤوفٌ

إذا استعرضنا التاريخ البشري فإننا لن نجد شخصية كشخصية علي بن أبي طالب (ع) إلا صنوه ومعلمه رسول الله محمد بن عبد الله (ص) فهما نسيج واحد ونفس واحدة ولكن في جسدين وجسمين، وهذا ما أكَّده لنا رب العالمين في آية المباهلة: (وأنفسنا وأنفسكم)، وقوله في أكثر من حديث (ص): (يا علي خلق الناس من شجر شتى، وخلقت أنا وأنت من شجرة واحدة، أنا أصلها وأنت فرعها والحسن والحسين أغصانها، وشيعتنا أوراقها)، فالشجرة واحدة والسجايا كذلك قال (ص) لأم سلمة: (هو أخي؛ سجيته سجيتي، ولحمه من لحمي، ودمه من دمي).

ومقام الإمام في الأنام أنه كالأبِ تماماً حباًن وعطفاً وحنوَّاً كما يصفه الإمام الرضا (ع) في حديثه لعبد العزيز فيقول: (الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق)، ورسول الله (ص) أراد أن يُبيِّن للأمة مكانة أمير المؤمنين (ع) كوصي، وكإمام، فهو كالأب في البيت، فقال: (يا عليّ، أنا وأنت أبوَا هذه الأُمّة)، وقال: (أنا وعليّ أبوا هذه الأُمّة).

وقال (ص) ما هو أكبر من ذلك إذ يُخاطبه قائلاً: (أنا وأنت يا عليّ أبوا هذا الخلق، فمَنْ عقّنا فعليه لعنة اللَّه، أمِّنْ يا عليّ، فقلتُ: آمين يا رسول اللَّه.

فقال: يا عليّ، أنا وأنت مَوْلَيا هذا الخلق، فمَنْ جَحَدنا ولاءنا وأنكرنا حقّنا فعليه لعنة اللَّه، أمِّن يا عليّ، فقلتُ: آمين يا رسول اللَّه)، ونحن نقول: آمين يا رب العالمين.

فهما أبوا هذا الخلق، وهؤلاء الناس، وهذه الأمة المرحومة بهم ولكن كما في البيت الواحد تجد أشقياء، وعُصاة، وعاقِّين لآبائهم – وما أكثرهم في هذه الأمة – كذلك تجدهم بُغاة، وعُصاة، وعاقِّين لآبائهم الرُّوحيين، كما النسبيين، وهؤلاء من أشرِّ خلق الله ولذا بيَّن رسول الله (ص) هذه الحقائق للأمة حتى لا يحتجَّ أحدٌ منها بعدم العلم.

فقال (ص): (حقّ عليّ بن أبي طالب على هذه الأُمّة كحقّ الوالد على ولده)

وقال (ص): (حقّ عليّ على المسلمين حقّ الوالد على ولده)

وقال (ص): (حقّ عليّ على الناس حقّ الوالد على ولده)

وجميل ما قاله أحد الأعلام: " أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فبناءً على ذلك يُطلق على عليِّ المرتضى على سبيل الحقيقة، وبيان الصِّدق؛ أنه آدم الأولياء، وهارون الأصفياء، وذو القرنين الأتقياء".

الإمام علي (ع) رمز العدالة الاجتماعية

وانطلاقاً من هذه الحقائق التي تقدمت يتبيَّن لنا أن أمير المؤمنين (ع) كان ومازال رمزاً للعدالة بأجلى معانيها، وأوضح مبانيها في هذه الأمة، بل في كل الأمم عبر العصور والدهور، وذلك لما ظهر منه من أحكام في طول حياته الشريفة لا سيما في السنوات العجاف التي حكم فيها فقامت قيامة قريش، ونهضوا من كل حدب وصوب وسلوا كل ما لديهم من سيوف الغدر، والمكيدة والحرب وكل ذلك ليس لعلَّة فيه – حاشاه – بل لأنه الحاكم العادل الذي استل سيف الحق وأراد أن يُحقق العدالة في هذه الأمة، فقامت عليه عصابات اللصوص القرشية والأموية.

وذلك لما روي عن ابن عبّاس: أنّ علياً (عليه السلام) خَطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة، فقال: (ألا إنّ كلّ قطيعةٍ أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاهُ من مال اللَّه، فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء، ولو وجدتُه وقد تُزوِّج به النساء، وفُرّق في البلدان، لرددتُه إلى حاله؛ فإنّ في العدل سعة، ومَن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق).

وقال الكلبي: ثمّ أمر(عليه السلام) بكلّ سلاح وُجِد لعثمان في داره ممّا تقوّى به على المسلمين فقُبض، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصَّدقة فقُبضت، وأمر بقبض سيفه ودرعه، وأمر ألّا يعرض لسلاح وُجِد له لم يُقاتَل به المسلمون، وبالكفّ عن جميع أمواله التي وُجِدت في داره وفي غير داره، وأمر أن تُرتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث أُصيبت، أو أُصيب أصحابها.. فبلغ ذلك عمرو بن العاص، وكان بأيلة من أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها، فكتب إلى معاوية: ما كنت صانعاً فاصنع، إذا قشَّرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه كما تُقشَّر عن العصا لِحاها" (شرح نهج البلاغة: 1/269)

وجاء إليه الأمويون الذي كانوا حكاماً على البلدان يتصرفون فيها كأنها إقطاعيات وملك لهم حتى قال قائلهم: (أرض السواد (العراق) ملكاً لقريش)، وطلبوا منه أن لا يُطالبهم بما في أيديهم من الأموال ويُعطوا له البيعة، فقال لهم: ذلك ليس لي، والمال مال الله والمسلمين، فكيف لي أن أتصرف بما لا أملك أمره، فلحقوا بمعاوية في الشام الذي أعلن العصيان منذ البداية، لأنه قد خطط لهذه الوثبة منذ زمن، وكان يدفع بالأمور لتجري بهذا الشكل بحيث يُقتل عثمان، ليتهم به الخليفة من بعده كائناً مَنْ كان إذا لم يضمن له بقاء سلطانه على الشام، وان يكون مطلق اليد فيها كما أطلقها له الخليفة الثاني، بل وقال له: (لا آمر ولا أنهاك)، وذلك لأنه (كسرى العرب).

وفي الإسلام لا كسروية، ولا هرقلية، ولا ملكاً عضوضاً بل حكمة وعدالة اجتماعية تجعل الحاكم والمحكوم شرع سواء في المال والعطاء، وليس لحد ميزة على أحد كما فعل الخليفة الثاني حيث دقَّ اول اسفين في الحياة الاجتماعية لدولة المسلمين لنه وضع الناس طبقات، وراح يُعطيهم على السابقة والقرابة والجهاد – كما يقولون – فصنع طبقة من قريش فاحشة الثراء في عهد عثمان بن عفان، فكان أحدهم يأخذ من الخليفة الذهب بالبُّهَّار (جلد ثور)، فاجتمع الذهب لديهم حتى صار يُكسر بالفؤوس من بعده حتى مجلت أيدي العمال من ذلك كعبد الرحمن بن عوف.

الإمام علي (ع) ذَنبُهُ عَدلُهُ

في شرح نهج البلاغة: 9 / 35: (روى أن عثمان قال: ويلي على ابن الحضرمية يعني طلحة، أعطيته كذا وكذا بُهَّاراً ذهباً، وهو يرومُ دمي يُحرِّض على نفسي! اللهم لا تُمتِّعه به، ولقِّه عواقب بغيه)، والبهار جلد ثور، يوضع فيه الذهب غير المسكوك، وقد يصل إلى 300 كيلو.

وفي تاريخ اليعقوبي: 2 / 183: (وأعطى الناس بالسَّوية لم يُفضِّل أحداً على أحدٍ، وأعطى الموالي كما أعطى الصِّلبيَّة، وقيل له في ذلك فقال: قرأتُ ما بين الدَّفتين (القرآن) فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل هذا، وأخذ عوداً من الأرض، فوضعه بين إصبعيه).

وروى في دعائم الإسلام: 1 / 384: أن عليا (عليه السلام) أمر عمار بن ياسر، وعُبيد الله بن أبي رافع، وأبا الهيثم بن التيهان، أن يُقسِّموا فيئاً بين المسلمين، وقال لهم: اعدلوا فيه ولا تُفضِّلوا أحداً على أحدٍ)، فحَسَبُوا فوجدوا الذي يُصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأعطوا الناس، فأقبل إليهم طلحة والزبير ومع كل واحد منهما ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير، فقال طلحة والزبير: ليس هكذا كان يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم؟

قالوا: بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمضيا إليه فوجداه في بعض أمواله قائماً في الشمس على أجير له يعمل بين يديه، فقالا: ترى أن ترتفع معنا إلى الظل؟

قال: نعم، فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفيء، فأعطوا كل واحد منَّا مثل ما أعطوا سائر الناس، قال: وما تريدان؟ قالا: ليس كذلك كان يُعطينا عمر.

قال: فما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُعطيكما؟ فسكتا، فقال: أليس كان (صلى الله عليه وآله) يَقسمُ بالسَّوية بين المسلمين من غير زيادة؟ قالا: نعم. قال: أ فسُنَّةُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى بالاتباع عندكما أم سُنة عمر؟ قالا: سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة، وغناء، وقرابة، فإن رأيتَ ألا تُسوِّينا بالناس فافعل، قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي؟ قالا: سابقتك، قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي؟ قالا: قرابتك،

قال: فغناؤكما أعظم أم غنائي؟ قالا: بل أنت أعظم غناء، قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا في هذا المال إلا بمنزلة واحدة، وأومى بيده إلى الأجير الذي بين يديه!

قالا: جئنا لهذا وغيره، قال: وما غيره؟ قالا: أردنا العمرة فأذن لنا، قال: انطلقا فما العمرة تُريدان! ولقد أُنبئتُ بأمركما وأُريتُ مضاجعكما! فمضيا، وهو يتلو وهما يسمعان: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما)!

هذا ذنبُ أمير المؤمنين (ع) عند الناكثين، الذين عوَّدهم عمر وعثمان على الذهب والفضة فكان أحدهما يملك الملايين من الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية، فكيف يقبل من عطاء علي (ع) ثلاثة دنانير، وكان يأخذ قبلها الذهب بالبُهَّار من عثمان؟ ومن كلام له (عليه السلام) في أواخر خلافته لما عوتب على العدل والتسوية في العطاء فقال: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله ما أطور به ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجما. لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله. ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله! ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم، وكان لغيره ودهم، فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم، فشر خدين وألام خليل!). (نهج البلاغة: 2 / 6)

عدل الإمام (ع) مع نفسه وأهله

يقول الإمام الراحل (قدس سره): (كان لأمير المؤمنين (ع) ألف والٍ، وألف قاض، منتشرين في مختلف البلاد الإسلامية، وذلك لإدارة البلاد، والعباد، بالعدل، والإحسان، وكانت هذه البلاد الواسعة تحت إشرافه ونظره) (عدالة الإمام علي(ع) السيد محمد الشيرازي: ص46)

فكان الإمام حاكماً لدولة مترامية الأطراف تشمل أكثر من خمسين دولة من دول اليوم، ولكنه كان يعيش عيشة أفقر إنسان في دولته، فهو الذي كان يأكل أقراص الشعير مع الملح، ويقول: (وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى)، ففي دولته لم يكن هناك فقيراً لأن إمامه كان يكتفي بقرص الشعير ليوفر حقوقهم لهم، ويوزعها عليهم، بالحق والعدل وهو يقول: (لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته)، كان يطمح ويعمل لقتل الفقر لا الفقراء وساسة العالم اليوم يعملون لقتل الفقراء والبسطاء لا الفقر.

ويحكي لنا – روحي فداه – قصة جرت معه كحاكم ،فقال (عليه السلام): (وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا وَ مَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا فَقُلْتُ أَ صِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ فَقَالَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ وَ لَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ اَلْهَبُولُ أَ عَنْ دِينِ اَللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي، أَ مُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٌ أَمْ تَهْجُرُ وَ اَللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ اَلْأَقَالِيمَ اَلسَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اَللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لاَ تَبْقَى نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ اَلْعَقْلِ وَقُبْحِ اَلزَّلَلِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ)! (نهج البلاغة: 2 / 18)

فهو الحاكم الذي لم يُميِّز نفسه ولا عشيرته بني هاشم الأكارم عن فقراء المسلمين وعلي (عليه السلام) هو الخليفة الوحيد، الذي لم يميز نفسه وقبيلته عن عامة المسلمين بدرهم واحد، وكان بعضهم في أمسِّ الحاجة! فهو (عليه السلام) الذي كان يقول: (وَاَللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ اَلسَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي اَلْأَغْلاَلِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ اَلْعِبَادِ وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ اَلْحُطَامِ وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى اَلْبِلَى قُفُولُهَا وَيَطُولُ فِي اَلثَّرَى حُلُولُهَا وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اِسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَ رَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ اَلشُّعُورِ غُبْرَ اَلْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَكَرَّرَ عَلَيَّ اَلْقَوْلَ مُرَدِّداً فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَ أَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا وَ كَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ اَلثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَ تَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ أَ تَئِنُّ مِنَ اَلْأَذَى وَلاَ أَئِنُّ مِنْ لَظَى). (نهج البلاغة: 2 / 216، عدالة الإمام علي(ع) السيد محمد الشيرازي: ص68)

هذا تراه وتقرؤه في سيرة الإمام علي (ع) وتاريخ حكمه في تاريخ العالم، وجميل ما يعترف به المؤرّخ المعروف ابن الأثير في وصف عدالة الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول: "إنّ زهده وعدله لا يمكن استقصاؤهما، وماذا يقول القائل في عدل خليفةٍ يجد في مالٍ جاءه من أصفهان رغيفاً فيقسِّمه أجزاء كما قسّم المال، ويجعل على كل جزء جزء، ويساوي بين الناس في العطاء، ويأخذ كأحدهم" فالسلام عليك سيدي ومولاي يا رمز العدالة الاجتماعية في دنيا الإنسانية..

انقر لاضافة تعليق