الاهتمام بالآخرين والعناية بهم في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤكد أهمية هذا البعد الأخلاقي في مسار السلوك الإنساني، وإشباع الحاجة الماسة إلى التقدير والاحترام، وامتلاك القدرة في التأثير على الآخرين، ونيل حبهم وإعجابهم وإخلاصهم.

من القواعد الرئيسة في محددات السلوك الإنساني قاعدة: منح الآخرين الاهتمام اللازم، وإشعارهم بأهميتهم ومكانتهم، فهذه القاعدة مهمة جداً في بناء العلاقات العامة، وكسب الكثير من الأصدقاء والمعارف.

وتعد هذه القاعدة من العوامل المهمة أيضاً في تقوية وتمتين العلاقات العائلية والأسرية والاجتماعية والإنسانية، ونيل محبة الآخرين وإعجابهم، واستجلاب السعادة للذات وللآخرين، واجتناب الكثير من المشاكل والمتاعب في الحياة الخاصة والعامة.

فإظهار الاهتمام بالآخرين يولد لديهم مشاعر إيجابية وطيبة ومريحة، ويؤدي إلى زيادة حرارة المشاعر المتبادلة، ويساهم في توليد روح المحبة والمودة والثقة، والشعور بالسعادة والراحة النفسية، وينمي من العلاقات الشخصية والإنسانية بينك وبين الآخرين ممن يتعاملون معك؛ فحتى تكون محبوباً ومهماً في نظر الآخرين كن مهتماً بهم.

والإنسان بحاجة قوية إلى إشباع الرغبة في التقدير والاهتمام من قبل الآخرين، فمن أشد الحاجات الإنسانية الحاجة إلى الاحترام والاهتمام والتقدير، ومن أعمق الدوافع في طبيعة الإنسان هو أن ينظر إليه على أنه إنسان مهم؛ ويحظى باحترام الناس وتقديرهم، ولذلك فمن يشبع هذه الرغبة في الآخرين يملك قلوبهم، ويسيطر على عقولهم، ويستطيع قيادتهم بسهولة ويسر.

ان تجاهل الآخرين وغياب الاهتمام بهم يؤدي إلى توليد مشاعر سلبية، وبرودة في العواطف، وشعور باللامبالاة، بل إلى قد يؤدي إلى توليد أشكال متنوعة من الأمراض النفسية والجنوح والتنمر.

فالكثير من المشاكل في الحياة الزوجية والعائلية، وكذلك المشاكل الاجتماعية تعود إلى غياب الاهتمام بالآخرين؛ مما يؤدي إلى زيادة المشاعر السلبية، وتبلد الأحاسيس، وفتور العلاقات، وتراكم المشاكل والسلبيات.

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) شديد الاهتمام بالآخرين والعناية بهم، ومن أشد الناس لطفاً بالناس؛ فما دخل عليه أحد أو التقاه أحد أو جالسه أحد إلا وأبدى له اهتمامه، وأشعره بأهميته ومكانته عنده.

ومن أبرز تجليات إظهار الاهتمام بالناس عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقابل من يلقاه من الناس بالبشر وطلاقة الوجه، ويسلم على من يلقاه بحرارة، ويبدأه بالسلام والمصافحة، ولا ينزع يده حتى يكون الآخر هو من ينزع يده، مما يترك لدى الآخر الانطباع بأنه يحظى بمكانة واهتمام من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وكان من مظاهر الاهتمام بالآخرين عند رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً: أنه كان يبادر بإلقاء السلام والتحية على كل من يلقاه من الرجال والنساء، الكبار والصغار، وكان يسلم حتى على الصبيان، ويدعو لهم بالبركة؛ ويمسح على رؤوسهم للتدليل على محبته لهم، ولإشعارهم بأهميتهم، وزرع الثقة في نفوسهم، واستمالة قلوبهم للدين.

ومن التجليات البارزة في منح الآخرين الاهتمام عند رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً هو اهتمامه الشديد بأصحابه، فقد ورد في سيرته المباركة أنه كان يعتني بأصحابه أشد الاعتناء، فكان إذا افتقد أحداً منهم ثلاثة أيام يسأل عنه؛ فإن كان مريضاً عاده، وإن كان حاضراً زاره، وإن كان مسافراً دعا له، فقد روي عَن أنَس أنه قال: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله إذا فَقَدَ الرَّجُلَ مِن إخْوانِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ سَألَ عَنهُ، فإنْ كانَ غائِباً دَعا لَهُ، وإنْ كانَ شاهِداً زارَهُ، وإنْ كانَ مَريضاً عادَهُ».

فهذا الاهتمام بأصحابه والعناية بهم يشعرهم بأهميتهم ومكانتهم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلا يترفع عن زيارتهم، ولا يتأخر عن عيادة مرضاهم، ولا يترك الدعاء لمن كان مسافراً منهم بأن يرجعه الله بالسلامة.

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشعر كل من يجلس إليه بأهميته، فلكل واحد منهم نصيبه من الاهتمام والعناية، حيث يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجهه للجالس إليه، فقد روى الإمام الحسين (عليه السلام) عن أبيه الإمام علي (عليه السلام) قوله: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله... يُعطي‏ كُلَّ جُلَسائِهِ نَصيبَهُ، لا يَحسَبُ جَليسُهُ أنَّ أحَداً أكرَمُ عَلَيهِ (مِنهُ)».

ومن خلقه صلى الله عليه وآله أنه كان لا يمد رجليه أمام الناس احتراماً لهم، فقد قال الإمامُ عليٌّ عليه السلام- في أوصافِ النّبيِّ صلى الله عليه وآله-: «وما رُؤي مُقَدِّماً رِجْلَهُ بينَ يدَيْ جَليسٍ لَهُ قَطُّ».

ان الترحيب بالقادم والحفاوة به، يعد من مظاهر الاهتمام بالآخرين، فقد كان رسول الله صلى اللّه عليه وآله يحتفي بالقادم إليه، ويرحب به أشد الترحيب، ويشعره بأهميته، ومن مظاهر ذلك عند رسول الله صلى اللّه عليه وآله التوسعة في المجلس للقادم، فقد روي: «دخَلَ علَيهِ صلى الله عليه وآله رجُلٌ المسجدَ وهُو صلى الله عليه وآله جالسٌ‏ وحْدَهُ، فتَزَحزَحَ صلى الله عليه وآله لَهُ، فقالَ الرّجُلُ: في المكانِ سَعةٌ يا رسولَ اللَّهِ! فقالَ صلى الله عليه وآله: إنَّ حقَّ المسلمِ على‏ المسلمِ إذا رآهُ يُريدُ الجُلوسَ إلَيهِ أنْ يَتَزحْزَحَ لَهُ».

ومن مظاهر ذلك أيضاً إلقاء الوسادة للقادم إليه إكراماً له، وترحيباً به، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرم من يدخل عليه بالوسادة التي تحته، وربما بسط له ثوبه، إذ ورد أنه: «كان يكرم من يدخل عليه حتّى ربّما بسط ثوبه، ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته». وفي نص آخر: «وكان يؤثر الدّاخل عليه بالوسادة الَّتي تكون تحته فإن أبي أن يقبلها عزم عليه حتّى يفعل. وما استصفاه أحد إلا ظنّ أنّه أكرم الناس عليه حتّى يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه».

وقد قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله- لمّا دَخَلَ علَيهِ سلمانُ وهُو مُتَّكئٌ على‏ وِسادَةٍ فَألقاها إلَيهِ-: «يا سلمانُ، ما مِن مُسلمٍ دَخَلَ على‏ أخيهِ المُسلمِ فَيُلقي لَهُ الوِسادَةَ إكراماً لَهُ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ».

ومن مظاهر الاحتفاء بالقادم أيضاً: قول: (مرحبا) له، للتعبير عن الاهتمام والعناية بشخصه، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «بالدّاخِلِ دَهشَةٌ فَتَلَقَّوهُ بِمَرحَباً».

ان إتقان فن الإصغاء للآخرين، من مظاهر الاهتمام بالآخرين أيضاً، وقد ورد في السيرة النبوية: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصغي للمتكلم حتى ينهي حديثه، ولا يقطع عليه كلامه، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على احترامه للناس، وإشعار المتكلم بأهمية حديثه وكلامه، حتى وإن كان في الواقع لا قيمة له.

فقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى هذه الصفة في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فقال: «وإذا تَكَلَّمَ عِندَهُ أحَدٌ أنصَتوا لَهُ حَتَّى يَفرُغَ مِن حَديثِهِ... ولا يَقطَعُ عَلى‏ أحَدٍ حَديثَهُ حَتّى‏ يَجوزَ فَيَقطَعَهُ بِنَهيٍ أو قِيام».

وعن أنس قال: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ».

إن حسن الإصغاء إلى المتحدث من الأخلاق الإسلامية، وفي نفس الوقت على المتكلم أن يختصر في كلامه، وألا يطيل في الكلام، فقد قال الإمامُ عليٌّ عليه السلام: «آفَةُ الكلامِ الإطالَةُ»، وعنه عليه السلام قال: «إيّاكَ وكَثرَةَ الكَلامِ؛ فإنّهُ يُكثِرُ الزَّلَلَ ويُورِثُ المَلَلَ».

ومن تجليات ومظاهر إظهار الاهتمام بالآخرين أيضاً في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)

مساعدة أهل الحاجة، وقضاء حوائجهم، والاستماع إلى قضاياهم، والتعاطف معهم، قال الإمام علي (عليه السلام): «مَن جالَسَهُ صابَرَهُ حَتَّى يَكونَ هُوَ المُنصَرِفَ عَنهُ، مَن سَألَهُ حاجَةً لَم يَرجِع إلَّا بِها أو بِمَيسورٍ مِنَ القَولِ، قَد وَسِعَ النَّاسَ مِنهُ خُلُقُهُ، وصارَ لَهُم أباً رَحيماً وصاروا عِندَهُ فِي الحَقِّ سَواءً... ويُؤثِرونَ ذَا الحاجَةِ، ويَحفَظونَ الغَريبَ».

وقال الإمام الصّادق عليه ‏السلام: «... وما مَنَعَ سائِلًا قَطُّ، إن كانَ عِندَهُ أعطى وإلَّا قالَ: يَأتِي اللّهُ بِهِ».

وكان رسول الله من اهتمامه بأهل الحاجة أنه كان يخفف صلاته حتى يقضي حوائج المحتاجين، فقد ورد عن حمل الأسفار- في آدابِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله- قال: «كانَ لا يَجلِسُ إلَيهِ أحَدٌ وهُوَ يُصَلّي إلّا خَفَّفَ صَلاتَهُ وأقبَلَ عَلَيهِ، فَقالَ: ألَكَ حاجَةٌ؟ فَإِذا فَرَغَ مِن حاجَتِهِ عادَ إلى‏ صَلاتِهِ».

ولابد من استلهام هذا الدرس المهم في السلوك الإنساني من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن (منح الآخرين الاهتمام) يؤدي إلى بناء العلاقات الإنسانية الناجحة، وهذه القاعدة الإنسانية تترك أثراً جميلاً في نفوس من تتعامل معهم، فلا شيء يبقى أثره كالاهتمام والعناية المخلصة مع من نخالط ونجالس من الناس.

فإذا أردت أن تكون محبوباً في نظر الآخرين امنحهم العناية والاهتمام الذي يليق بهم، فالاهتمام يعبر عن مشاعر الحب والود تجاه من نهتم بهم.

كما أن التخلق بهذا الخُلُق الجميل يضفي على الشخصية القدرة على التأثير والتوجيه والإرشاد، ويساعد المرء على النجاح في الحياة الخاصة والعامة.

ان من أهم القواعد في نجاح الحياة الزوجية، وتقوية العلاقات مع الأصدقاء والمعارف والزملاء وغيرهم هو منحهم الاهتمام والتقدير، فأسبغ على من حولك ما يستحقونه من اهتمام وعناية وتقدير واحترام، تترك في نفوسهم أثراً طيباً لا يصدأ، وذكريات جميلة لا تنسى، ومحبة عميقة لا تبرد، وود قوي لا يفتر.

انقر لاضافة تعليق