ابتهجت مدينة رسول الله من جديد فبسطت الأرض أطرافها لاستقبال ذلك القمر المنير، وفاحت رائحة الملكوت في ذلك البيت الطاهر الذي كان ملتقى للملائكة، ومنبعا للفيوضات الإلهية، وسط الابتسامات وحسن وجمال ونقاء الأسارير، تلقفت أنامل الإمام علي بن موسى الرضا ذلك الوليد المبارك الذي جاء بعد انتظار طويل، فقد كان الإمام الرضا عليه السلام في الخمس وخمسين سنة من عمره الشريف عندما ولد ذلك القمر المنير، شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم قدست أم ولدته كما قال والده الطاهر.

فقد ضمه إلى صدره الشريف وقبله فأذن في إذنه اليمنى وأقام في إذنه اليسرى، وبدأ يحكي له قصة الحب والفداء، فقد قال لأصحابه هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم منه على شيعتنا بركة منه.

عاش الإمام الجواد في ظلال أبيه الرضا ونهل منه المكارم والأخلاق، وكان يركز الإمام الرضا عليه السلام على إمامة ولده المبارك ويؤدبه بآداب جده رسول الله صلى الله عليه وآله، وهكذا حتى جاء موعد الفراق وبدأت حكاية الغربة.

حيث أجبروا الإمام الرضا عليه السلام على الخروج من أرض جده صلى الله عليه وآله، وبقي الإمام الجواد في المدينة وعمره الشريف لا يتجاوز سبع سنوات، لم ينقطع خلالها التواصل بين الإمام الرضا والجواد عليهما السلام، حيث كان يراسله ويكتب إليه بكنيته (أبي جعفر) وكانت الرسائل ترد بمنتهى البلاغة والفصاحة بينهما، فقد كان شامخاً وعظيماً رغم صغر سنه.

امتحان الأمة

عندما استشهد الإمام الرضا عليه السلام أطبقت الحيرة على غالبية المتمسكين بولاية أهل البيت عليهم السلام، وبدأوا يتساءلون من هو الإمام الذي يجب أن يقتدوا به، فعقول البشر أحيانا تضيق إلى أبعد الحدود حيث لا تدرك إرادة الله وحكمه، فأحيانا يجعل الباري آياته في الشيخ الكبير كما ورد في كتابه الكريم:

(‎‫قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ). ‬‬‬

وأحيانا يجعل آيته في رحم تلك العذراء لتقول:

(رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

وأحيانا يجعل آيته في ذلك الصغير الذي: "يُكَلِّم النَّاس فِي الْمَهْد وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ".

فقد مر الشيعة بهذه الوضعية الصعبة لأنهم لم يتصوروا أنّ حجة الله يمكن أن يكون صبياً، فبعضهم بدأ يبكي وقال يونس دعوا البكاء حتى يكبر هذا الصبي، فقال الريان بن الصلت:

(إن كان أمر من الله جل وعلا فإبن يومين مثل إبن مائة سنة وان لم يكن من عند الله فلو عمر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه وهذا مما ينبغي ان ينظر فيه).

هذا الجواب أرجع الصواب إلى العقول، وقرروا أن يلتقوا بالجواد عليه السلام ليروا مكانته العلمية والشخصية وحضوره وتميزه وبلاغته وحكمته في تسنّم هذا المنصب (الإمامة) عن آبائه وأجداده من أئمة آل البيت عليهم السلام، وبالفعل كانت شخصيته العظيمة قد أثبتت تفردّها وقدرتها على الإقناع، وعلميتها.

علم الإمام الجواد عليه السلام

من الأشياء الملفتة للنظر هي كثرة الأسئلة التي وجهت إلى الإمام الجواد عليه السلام، فمن الطبيعي أن يذهل الناس ويشعروا بالارتباك وبعض الفضول، ليختبروا صبياً لم يتجاوز التسع سنوات، وكان عليه السلام يجيب على الأسئلة وإجاباته تبين إن علمه من جانب الله عز وجل: (كل شيء أحصيناه في إمام مبين).

فقد سجل الدهر كلماته الفياضة في سجله حيث إنه يتكلم في مختلف المجالات الفقه والعقائد، الطب والسياسية، الأخلاق والمعارف،الأحكام والعبادات ولم يترك جانبا إلا ويتكلم عنه ويشرح الأمور لمن يبحث عن المعرفة...

من حكمه عليه السلام

- عز المؤمن في غناه عن الناس.

- الأيام تهتك لك الأمر عن الأسرار الكامنة.

- أفضل العبادة الإخلاص.

- نعمة لا تشكر كسيئة لا تغفر.

- ملاقاة الإخوان مسرة وتلقيح للعقل وان كان نزراً قليلا.

- إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له.

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

انقر لاضافة تعليق